سرقة علمية بشعة       الهجرة النبوية .. دروس وعبر - خطبة الجمعة        التعصب الرياضي .. أسبابه وآثاره وعلاجه .. بقلم محمد مسعد ياقوت       مؤتمر (نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم)        سويسرا: تحذير من مقاطعة تكلّف المليارات إن مُنع بناء المآذن       
أجندة العمل
اغسطسسبتمبراكتوبر
السبتالاحدالاثنينالثلاثاءالاربعاءالخميسالجمعة
123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930
 
تصويت
 
 
 
الرئيسية > كتب وبحوث
معجم إفتراءات الغرب - تكملة حرف الجيم
 

معجم إفتراءات الغرب - تكملة حرف الجيم

الأستاذ أنور زناتي

كلية التربية – جامعة عين شمس

نبي الرحمة دوت كوم

 

جولدتسيهر ، أغناطيوس : "  Y.Goldziher    " 1850-1921"

 

     مستشرق مجري يهودي درس في برلين وبودابست والجامع الأزهر ، تعلم العربية على شيوخ الأزهر ولا سيما الشيخ محمد عبده ، واشتهر بتحقيقه في تاريخ الإسلام وحركتها الفكرية ، له : العقيدة والشريعة في الإسلام ، آداب الجدل عند الشيعة . العقيدة والشريعة في الإسلام .

 

وجولدتسيهر كتب نحو 400 صفحة في الاستدلال على ان العقيدة والشريعة هبطتا على محمد r من أي ناحية إلا من السماء([1]) .

 

 

الرسول خلال النصف الأول من حياته اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكاره

 

   يرى المستشرق المجرى "جولدزيهر Golddziher " أن الرسول خلال النصف الأول من حياته اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكاراً أخذ يجترها في قرارة نفسه وهو منطو في تأملاته أثناء عزلته . واختلطت هذه الأفكار بما يلاحظه من قساوة الحياة ، واضطهاد الفقراء ، وطغيان الأغنياء بمكة ، فتملكه شعور بأن الله يدعوه بقوة تزداد شيئاً فشيئاً ليذهب إلى قومه منذراً إياهم بما يؤدى بهم إلى ضلالهم من الخسران المبين ، أى أنه أحس بقوة لا يستطيع لها مقاومة تدفعه إلى أن يكون مريباً لشعبه أى " منذره ومبشره " .

 

 

    ويصف " جولدزيهر " وصف القرآن ليوم القيامة وأهوالها والكوارث التي ستنجم من حدوثه ، وإنذاره بنهاية العالم ، وبيوم الغضب والحساب ، وانتهى إلى نتيجة مفادها أن ما يبشر به الرسول والمتعلق بالدار الآخرة ليس إلا مجموعة مواد استقاها بصراحة من الخارج يقيناً ، وأقام عليها هذا التبشير ، ولقد أفاد من التاريخ العهد القديم ـ وكان ذلك في أكثر الأحيان عن طريق قصص الأنبياء ـ ليذكر على سبيل الإنذار والتمثيل بمصير الأمم السالفة الذين سخروا من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم ، ووقفوا في طريقهم ، وبهذا انضم محمد r إلى سلسلة أولئك الأنبياء القدماء بوصفه آخرهم عهداً وخاتمهم .

 

 

الإسلام أقر بعض فقه الجاهليين وأحكامهم

 

وفى مجال الفقه ذكر " جولدزيهر " أن الإسلام أقر بعض فقه الجاهليين وأحكامهم ، مما لم يتعارض مع مبادئ الإسلام فأخذ ـ على رأيه ـ من قوانين أهل مكة أحكامها وأخذ من فقه أهل المدينة ، وهو في نظره أقل تطوراً من فقه أهل مكة ولذلك فإن فقه أهل الحجاز كان من جملة المنابع التي غرف منها الفقه الإسلامي .

 

     ويكتب جولدزيهر عن النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته فيقول: كانت ولادته نحو عام 570م في الفرع الهاشمي الفقير، المنتمي إلى قبيلة قريش القوية، والذي له القيادة بمكة، وقد ولد يتيمًا رباه أقاربه وكان يكسب رزقه بطريقة قاسية وبسيطة، في آن واحد، فقد اشتغل راعيًا ثم أصبح تاجرًا لحساب سيدة غنية اسمها خديجة عندما بلغ من العمر خمسة وعشرين سنة، وبعد أن تزوج من هذه الأرملة الغنية التي تكبره بخمسة عشر عامًا، انتهت همومه المادية، وأصبح بدوره تاجرًا.. إنه خلال رحلاته المتعددة التقى ببعض اليهود والنصارى الزاهدين، وأصبح يفكر شيئًا فشيئًا في الحياة الخلقية والدينية السيئة بمكة، وأصبح ضميره يتعمق في هذه الأمور عن طريق التفكير والتأمل، وهكذا أصيب بقلق مؤلم ظهر على السطح عن طريق الاضطرابات العصبية، فانزوى في الجبال مفكرًا في مصير أمته، وهكذا أصبح ثائرًا ضد نظام الحياة المكية، واختلطت تجاربه الشخصية بالمعارف التي استقاها من اليهود والنصارى إلى أن تحولت على هيئة رؤى وأحلام وهلوسة، فعكست شعوره بالثورة ضد الماضي، وكونت هذه الأمور في مجملها ما أذاعه وبشر به في قادم الأيام .

الرد

      لقد ابتعد جولدزيهر كثيرًا عن الفهم الصحيح والموضوعية المنصفة، فهو يتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يترعرع في رعاية الله وعنايته كما لو تحدث عن أبسط إنسان رآه جولدزيهر ويضخم في التصوير بأنه صلى الله عليه وسلم أصبح تاجرًا لحساب خديجة، ويضلل القارئ عندما يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح تاجرًا وانتهت همومه المادية بعد زواجه من خديجة، ويجهل جولدزيهر أو يتجاهل أن خديجة رضي الله عنها هي التي رغبت فيه أولاً.

   وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يسعى لمال أو جاه أو تجارة، إنما كان يريد أن يساعد عمه أبا طالب في كسب الرزق وكفاية العيال ليرد له بعض الجميل الذي قدمه له في صغره وكفالته .

 

الرسول تعلم من بعض اليهود والنصارى

     وأما الزعم بأنه صلى الله عليه وسلم التقى ببعض اليهود والنصارى الزاهدين، فهي دعوى باطلة دأب المستشرقون على إثارتها والمبالغة فيها ليصلون إلى الفرية القاتلة بأنه صلى الله عليه وسلم تأثر بهم، مع أن الحقيقة واضحة جلية غنية عن البيان يعرفها مشركو ذلك الزمان بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأت بدين من عند يهود ولا نصارى ولا فرس ولا رومان ولا جاهلية ولا عروبة، إنما من عند الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.

       ولو كانت افتراءات المستشرقين ممكنة ولها مستند من العقل والواقع ،لما سكت المشركون عن مثلها، ولكنهم يعلمون سيرته وبعده عن كل مصدر بشري يمكن أن يكون معلمًا أو مشيرًا، مع أن الذي جاء به محمد r عجز عن بعضه كل الخلق من يهود ونصارى وعرب وفرس وروم وغيرهم، مع أن القرآن يشير إلى سخافات وقع بها العرب وهم يتدافعون الحق والدين والقرآن. فقال:{يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين }ٌ.[النحل: 103] .

 

شبهة التشكيك فى الحديث النبوى

 

     وأول مستشرق قام بمحاولة واسعة شاملة للتشكيك فى الحديث النبوى كان المستشرق اليهودى "جولد تسيهر" الذى يعده المستشرقون أعمق العارفين بالحديث النبوى، كما وصفه بذلك "بفانموللر" وقال : وبالأحرى كان "جولد تسيهر" يعتبر القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الدينى والتاريخى والاجتماعى فى القرن الأول والثانى0 فالحديث بالنسبة له لا يعد وثيقة لتاريخ الإسلام فى عهده الأول : عد طفولته، وإنما هو أثر من آثار الجهود التى ظهرت فى المجتمع الإسلامى فى عصور المراحل الناضجة لتطور الإسلام .


     كما بارك جولدتسيهر موقف المعتزلة من السنة النبوية، ورأى أن وجهتهم فى رد الأحاديث بالعقل هى الوجهة الصحيحة التى يجب أن تناصر وتؤيد ضد المتشددين الحرفيين الجامدين على النصوص .


     وعلى درب "جولد تسيهر" فى موقفه من السنة صار المستشرقون ورددوا شبهاته واعتبروا أنفسهم مدينين له فيما كتبه من شبهات حول السنة0
وفى هذا يقول عنه كاتب مادة (الحديث) فى دائرة المعارف الإسلامية : "إن العلم مدين ديناً كبيراً لما كتبه (جولد تسيهر) فى موضوع الحديث، وقد كان تأثير "جولدتسيهر" على مسار الدراسات الإسلامية الاستشراقية أعظم مما كان لأى من معاصريه من المستشرقين فقد حدد تحديداً حاسماً اتجاه وتطور البحث فى هذه الدراسات".

السنة مصدر مهم من مصادر التشريع فى الإسلام ، فالرسول مبلغ للدعوة وشارحها ومُبينها ، قال تعالى : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " (المائدة : 17 ) .

وقال : " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم "( النحل : 43 )

وقال : " وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا " ( الحشر : 7 ) .

 

        والسنة فى التشريع تشمل ناحيتين أساسيتين ، الناحية الأولى تفسير أيات القرآن وتأويلها وبيان معناها ، وتفصيل المجمل منها ، ومن أمثلة تفسير أيات القرآن الكريم التى بها نوع من الإبهام والغموض ، قوله تعالى " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ( الأنعام : 82 ) ففسر الرسول الظلم بالشرك .

 

        ومن أمثلة توضيح المجمل موضوع الصلاة فقد أورد القرآن الكريم عدة مرات قوله تعالى : " وأقيموا الصلاة " فوضح الرسول عدد الصلوات وعدد الركعات وكيفية الصلاة وقال : صلُوا كما رأيتمونى أصلى .

        ومن أمثلة تخصيص العام أن الرسول فى نظام الميراث الذى أورده القرآن  بين أن الميراث يجرى بشرط اتحاد الدين وعدم القتل والرق .

 

        ومن أمثلة تقييد المطلق أن قطع يد السارق تكون مرتبطة بنصاب معين وشروط ضرورية وهكذا .

 

        والناحية الثانية تشرع السنة أحكاما جديدة لم يرد لها ذكر فى القرآن الكريم مثل : ميراث الجدة ، واشتراط الشهود لصحة عقد الزواج ، وتحريم الجمع بين المرآة وعمتا وغير ذلك .

 

        وقد كثرت الأحاديث بالحجاز وشرحت كل ما وُجد من أحداث ، وكان المحدُّثون كثيرين بالحجاز ، وكان العراق على  عكس ذلك فقد قلت فيه الأحاديث لأنه لم يجذب المحدثين بسبب ما كان به من ثورات .

 

        ومن هنا فقهاء العراق اعتمدوا على الرأى والقياس لقلة الأحاديث عندهم ، ثم لشيوع القول بوضع أحاديث بالعراق بواسطة الشيعة لتغطية النقص الذى كان موجودا .

 

        وقد تصدى علماء المسلمين للأحاديث فاستبعدوا الأحاديث الموضوعة ، ووُجدت طبقات من المحدثين الذين بذلوا غاية الجد والاجتهاد لتنقية الأحاديث وتدوين ماصح منها .

 

        وقد بدأ هذا الاتجاه فى عهد عمر بن عبد العزيز فى آخر القرن الهجرى الأول ن ثم فى منتصف القرن الهجرى الثانى نشط تدوين الحديث وتحقيقه بواسطة الإمام مالك ( الموطأ ) وسفيان الثورى وحماد والأوزاعى والليث بن سعد ثم أحمد بن حنبل الذى جمع ( مسند أحمد ) .

 

        وفى القرن الثالث الهجرى نشطت حركة النقد وتمييز الصحيح من الضعيف ، وتعديل الرجال وتجريحهم ، ووضعت أسس مصطلح الحديث ، فأخذ علماء الحديث بناء على ذلك يجمعون الأحاديث ويزنونها بهذه المقاييس ، ويختارون منها الصحيح فيدونونه ويستبعدون ما عدا ذلك ، ومن أشهر العلماء الذين أسهموا فى هذه الحركة الأمام البخارى ومسلم ، وابن ماجه ، وأبو داود ، والترمذى ، والنسائى .

 

        وتطهرت الأحاديث الصحيحة تماما من الأحاديث المكذوبة أو الموضوعة .

ويبدو أن وضع الأحاديث قد بدأ فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنه واجه هذا بقوة عندما قال " من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار "

 

وعلى هذا فالأحاديث الصحيحة يجب الأخذ بها ، ولا يوجد تعارض بين هذه الأحاديث والقرآن الكريم ، ولا بين هذه الأحاديث بعضها والبعض .

الحديث بقي مائتي سنة غير مكتوب

 

   يرى أن الحديث بقي مائتي سنة غير مكتوب ، ثم بعد هذه المدة الطويلة قرر المحدثون جمع الحديث

 

     وقد أراد المستشرقون من وراء هذه المزاعم إضعاف الثقة باستظهار السنة وحفظها في الصدور ، والتشكيك في صحة الحديث واتهامه بالاختلاق والوضع على ألسنة المدونين ، وأنهم لم يجمعوا من الأحاديث إلا ما يوافق أهواءهم ، وصاروا يأخذون عمن سمعوا الأحاديث ، فصار هؤلاء يقول الواحد منهم : سمعت فلاناً يقول سمعت فلاناً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبما أن الفتنة أدت إلى ظهور الانقسامات والفرق السياسية ، فقد قامت بعض الفرق بوضع أحاديث مزورة حتى تثبت أنها على الحق ، وقد قام علماء السنة بدراسة أقسام الحديث ونوعوه إلى أقسام كثيرة جداً ، وعلى هذا يصعب الحكم بأن هذا الحديث صحيح ، أو هذا الحديث موضوع .

ويمكن الرد هذه الشبهة من عدة وجوه :

1
–أن تدوين الحديث قد بدأ منذ العهد الأول في عصر النبي صلى الله عليه وسلم  وشمل قسماً كبيراً من الحديث ، وما يجده المطالع للكتب المؤلفة في رواة الحديث من نصوص تاريخية مبثوثة في تراجم هؤلاء الرواة ، تثبت كتابتهم للحديث بصورة واسعة جداً ، تدل على انتشار التدوين وكثرته البالغة .

2
–أن تصنيف الحديث على الأبواب في المصنفات والجوامع مرحلة متطورة متقدمة جداً في كتابة الحديث ، وقد تم ذلك قبل سنة 200 للهجرة بكثير ، فتم في أوائل القرن الثاني ، بين سنة 120 ـ 130 هـ ، بدليل الواقع الذي بين لنا ذلك ، فهناك جملة من هذه الكتب مات مصنفوها في منتصف المائة الثانية ، مثل جامع معمر بن راشد(154) ، وجامع سفيان الثوري(161) ، وهشام بن حسان(148) ، وابن جريج (150) ، وغيرها كثير .


3
–أن علماء الحديث وضعوا شروطاً لقبول الحديث ، تكفل نقله عبر الأجيال بأمانة وضبط ، حتى يُؤدَّى كما سُمِع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهناك شروط اشترطوها في الراوي تضمن فيه غاية الصدق والعدالة والأمانة ،مع الإدراك التام لتصرفاته وتحمل المسئولية ، كما أنها تضمن فيه قوة الحفظ والضبط بصدره أو بكتابه أو بهما معاً ، مما يمكنه من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه ، ويتضح ذلك من الشروط التي اشترطها المحدثون للصحيح والحسن والتي تكفل ثقة الرواة ، ثم سلامة تناقل الحديث بين حلقات الإسناد ، وسلامته من القوادح الظاهرة والخفية ، ودقة تطبيق المحدثين لهذه الشروط والقواعد في الحكم على الحديث بالضعف لمجرد فقد دليل على صحته ، من غير أن ينتظروا قيام دليل مضاد له .

4
–أن علماء الحديث لم يكتفوا بهذا ، بل وضعوا شروطاً في الرواية المكتوبة لم يتنبه لها أولئك المتطفلون ، فقد اشترط المحدثون في الرواية المكتوبة شروط الحديث الصحيح ، ولذلك نجد على مخطوطات الحديث تسلسل سند الكتاب من راوٍ إلى آخر حتى يبلغ مؤلفه ، ونجد عليها إثبات السماعات ، وخط المؤلف أو الشيخ المسمَع الذي يروي النسخة عن نسخة المؤلف أو عن فرعها ، فكان منهج المحدثين بذلك أقوى وأحكم وأعظم حيطة من أي منهج في تمحيص الروايات والمستندات المكتوبة .

5–أن البحث عن الإسناد لم ينتظر مائتي سنة كما وقع في كلام الزاعم ، بل فتش الصحابة عن الإسناد منذ العهد الأول حين وقعت الفتنة سنة 35 هجرية لصيانة الحديث من الدس ، وضرب المسلمون للعالم المثل الفريد في التفتيش عن الأسانيد ، حيث رحلوا إلى شتى الآفاق بحثاً عنها واختباراً لرواة الحديث ، حتى اعتبرت الرحلة شرطاً أساسياً لتكوين المحدث .

الحديث في مجموعه من صنع القرون الثلاثة الأولى للهجرة وليس من قول الرسول

في محاولة المستشرق جولد تسيهر لإثبات زعمه بأن الحديث في مجموعه من صنع القرون الثلاثة الأولى للهجرة وليس من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ادعى أن أحكام الشريعة لم تكن معروفة لجمهور المسلمين في الصدر الأول من الاسلام ، وأن الجهل بها وبتاريخ الرسول صلى الله عليه كان لاصقاً بكبار الأئمة ، وقد حشد لذلك بعض الروايات الساقطة المتهافتة ، من ذلك ما نقله عن كتاب الحيوان للدميري من أن أبا حنيفة رحمه الله لم يكن يعرف هل كانت معركة بدر بعد أُحد أم كانت أُحد قبلها !..

     ولا شك في أن أقل الناس اطلاعاً على التاريخ يرد مثل هذه الرواية ، فأبو حنيفة وهو من أشهر أئمة الإسلام الذين تحدثوا عن أحكام الحرب في الاسلام حديثاً مستفيضاً في فقهه الذي أثر عنه وفي كتب تلامذته الذين نشروا علمه كأبي يوسف ومحمد r، يستحيل على العقل أن يصدق بأنه كان جاهلاً بوقائع سيرة الرسول ومغازيه وهي التي استمد منها فقهه في أحكام الحرب ، وحسبنا أن نذكر هنا كتابين في فقه في هذا الموضوع يعتبران من أهم الكتب المؤلفة في التشريع الدولي في الإسلام .

أولهما –كتاب الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف رحمه الله .

ثانيهما : كتاب السير الكبير لمحمد رحمه الله ، وقد شرحه السرخسي ، وهو من أقدم وأهم مراجع الفقه الإسلامي في العلاقات الدولية ، وقد طبع أخيراً تحت إشراف جامعة الدول العربية برغبة من جمعية محمد بن الحسن الشيباني للحقوق الدولية .

     وفي هذين الكتابين يتضح إلمام تلامذة الإمام –وهم حاملو علمه –بتاريخ المعارك الاسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين .

     وجولد تسيهرلا يخفى عليه أمر هذين الكتابين ، وكان بإمكانه لو أراد الحق أن يعرف ما إذا كان أبو حنيفة جاهلاً بالسيرة أو عالماً بها من غير أن يلجأ إلى رواية " الدميري " في " الحيوان " وهو ليس مؤرخاً وكتابه ليس كتاب فقه ولا تاريخ ، وإنما يحشر فيه كل ما يرى إيراده من حكايات ونوادر تتصل بموضوع كتابه من غير أن يعني نفسه البحث عـن

صحتها ، ولا يخفى ما كان بين أبي حنيفة ومعاصريه ومقلديهم من بعدهم من عداء منهجي فكري ، وقد كان هذا العداء مادة دسمة لرواة الأخبار ومؤلفي كتب الحكايات والنوادر لنسبة حوادث وحكايات منها ما يرفع من شأن أبي حنيفة ، ومنها ما يضع من سمعته . وأكثرها ملفق موضوع للمسامرة والتندر من قبل محبيه أو كارهيه على السواء ، مما يجعلها عديمة القيمة العلمية في نظر العلماء والباحثين .

     فجولد تسيهر أعرض عن كل ما دُوِّن من تاريخ أبي حنيفة تدويناً علمياً ثابتاً ، واعتمد رواية مكذوبة لا يتمالك طالب العلم المبتدئ في الدراسة من الضحك لسماعها ليدعم بذلك ما تخيله من أن السنَّة النبوية من صنع المسلمين في القرون الثلاثة الاولى .

ومثال آخر عن هذا المستشرق أيضاً : فقد أعرض عما أجمعت عليه كتب الجرح والتعديل وكتب التاريخ من صدق الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمه الله ( 50 –124 هـ ) وورعه وأمانته ودينه وزعم أن الزهري لم يكن كذلك بل كان يضع الحديث للأمويين ، وهو الذي وضع حديث " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلخ .. " لعبد الملك بن مروان ، وكل حجته أن هذا الحديث من رواية الزهري ، وأن الزهري كان معاصراً لعبد الملك بن مروان ! .. وقد ناقشت هذا الزعم مناقشة مفصلة في كتابي " السنَّة ومكانتها في التشريع الاسلامي " ص 385 وما بعدها([2]) .

 

وكان يردد كلامًا يتعلق بالسنة ويدعي بعض الادعاءات ، منها :

–أن هناك أحاديث كثيرة لا يمكن أن تكون قد صدرت عن الرسول .

–أنه لا يمكن القطع بصحة نسبة شيء من أحاديث الرسول .

–أن القسم الأكبر من الحديث النبوي تم وضعه نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي الذي حدث في القرن الأول والثاني الهجري .

–الطعن في حملة الحديث النبوي من الصحابة كأبي هريرة .

–ونرد عليهم بهذا الرد على ادعاءاتهم الأربعة التي ذكرت :

1–الرد على الادعاء الأول :

–هناك أحاديث لم تصدر عن الرسول –صلى الله عليه وسلم –وهي موضوعة وتصدى لها رجال الحديث وأفردوا لها كتبًا خاصة ، ومن هذه الكتب الموضوعات ، لابن الجوزي اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ، للإمام الشوكاني .

2–الرد على الادعاء الثاني :

–أما قوله : ( بأن هناك أحاديث لا يمكن القطع بصحة نسبتها إلى الرسول ) ،فنقول له :

هذا محض زور وبهتان وصاحبة إما جاهل أو مغرض ؛ لأن الأحاديث النبوية ميزت ومحصت تمحيصًا تامًا ، والسنة النبوية حملها صحابة أوفياء عدول نقلها عنهم أئمة عدول وهكذا ، ثم أفردت أحاديث الرسول –صلى الله عليه وسلم –في مؤلفات .

3–الرد على الادعاء الثالث :

–أما قوله : ( إن الحديث كان انعكاسًا للتطور السياسي والاجتماعي ) ، فنقول له :

لم ينتقل رسول الله –صلى الله عليه وسلم –لربه إلا بعدما اكتمل الدين ، قال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا ) ،

فهذا دليل على إتمام السنة . ويكفيكم قوله –صلى الله عليه وسلم –: ( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم به بعدي فلن تضلوا بعدي أبدًا ) .

والدليل على أن السنة لم يحصل فيها إضافة بعد عهد النبي –صلى الله عليه وسلم –عدم اختلاف المسلمين في عبادتهم لله عز وجل ، وهم يعيشون في شتى بقاع الأرض . ولو صح ما ادعوه لاختلف المسلمون في عبادتهم لله تعالى ومعاملاتهم .

4–الرد على الادعاء الرابع :

–الصحابة –رضي الله عنهم –كلهم عدول وكلهم من الفضلاء ، قال –صلى الله عليه وسلم –: ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ، والطعن في الناقل يضعف الثقة في المنقول .

 

الهجوم على الأمويين

 

جولدتسيهر في كتاباته التي ذم فيها الأمويين بناء على نقولات زائفة وأقوال مغرضة، رمى أصحابها إلى تمزيق الأمة وطعن رجالاتها ولعن بعضها ، ونشر الكلام الذي لا مصلحة لأحد فيه إلا للعدو من اليهود والنصارى والفرق الضالة، وقد نقل علماؤنا الثقات حقائق ثابتة ترد على تلك الافتراءات الباطلة.

ورد في طبقات ابن سعد –رحمه الله –ما يدل على نسك عبد الملك بن مروان وعلمه وعبادته وتقواه قبل خلافته، حتى إنه كان يلقب بحمامة المسجد، ولما سئل الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أرأيت إذا تفانى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن نسأل ؟ فأجابهم: سلوا هذا الفتى . مشيرًا إلى عبد الملك بن مروان .

وأما بعد خلافته فقد كان حريصًا على إرشاد العلماء وطلاب العلم إلى تتبع السنن والآثار .
ولما جاء الناس لمبايعته بالخلافة كان يتلو كتاب الله عز وجل على مصباح ضئيل، زهدًا وتقللاً وبعدًا عن رغد الحياة ولذائذها .

وقل مثل هذا في الوليد بن عبد الملك ، فقد أنشئت في عصره أكثر المساجد المعروفة اليوم . وهذا الكلام لا يعني أنهم كانوا خلفاء راشدين –كلا –ولكن كانت لهم أخطاء وتجاوزات، وكانت لهم حسنات وإيجابيات، ثم إن التاريخ يذكر بكثير من الإعجاب فتوحات الأمويين، حتى إن رقعة الإسلام لم تزد كثيرًا في العصر العباسي عمَّا كانت عليه في العصر الأموي، والفضل في ذلك كله لله سبحانه وتعالى ثم للأمويين خلفاء وقادة، فقد كان أبناء خلفائهم على رأس الجيوش الفاتحة لإعلاء كلمة الله عز وجل ونشر دينه ورفع الظلم عن العباد .

إن كلام المستشرقين عن وضع الحديث من قبل العلماء والحكام الأمويين لا أساس له من الصحة ، وإذا تجرأ بعض المغفلين وبعض الخاطئين من الفرق الضالة على وضع بعض الأحاديث لنصر أفكارهم أو الطعن في مخالفيهم، فإن ذلك في نطاق ضيق جدًا، وقد تصدى لهم علماء الإسلام وكشفوا تلك المحاولات وأخضعوا كل الأحاديث للفحص الدقيق ومعرفة الرواة كلهم، فلم يثبت إلا الصحيح، وعرف الموضوع من المسند المرفوع، والصحيح من الضعيف .

لقد كان هناك عداء بين الخلفاء وزعماء الطوائف المنشقة عن جماعة المسلمين كالخوارج، والرافضة، والمعتزلة، والزنادقة .

لكن هذه الطوائف لم تنهض لجمع الحديث ونقده وتدوينه وفق منهج أهل السنة، إنما الذين فعلوا ذلك هم العلماء والحفاظ والأئمة الأتقياء أمثال فقهاء المدينة السبعة: سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم المخزومي، وعبيد ا لله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق،و خارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، ونافع بن شهاب الزهري، وعطاء بن أبي رباح، وعامر بن شراحيل الشعبي، وعلقمة بن الأسود، والحسن البصري وغيرهم رضي الله عنهم .

وهؤلاء العلماء لم يصطدموا مع الأمويين في معارك ونزاعات إلا ما كان من سعيد بن المسيب –رحمه الله –وجفائه لعبد الملك بن مروان بسبب طلب عبد الملك البيعة لابنه الوليد ثم لسليمان من بعده، فأبى سعيد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في وقت واحد ، فهذا سبب الجفاء، ولا نعلم خلافًا بين سعيد بن المسيب وخلفاء بني أمية قبل هذه الحادثة .

–كما وقع بين الحجاج بن يوسف الثقفي وبعض العلماء شيء من ذلك سببه اشتداد الحجاج في مقاومة خصوم بني أمية مما أوقعه ذلك في كثير من الظلم والعدوان.

–ومما يزيد في تهافت دعوى هذا المستشرق اتخاذه عداء ابن المسيب لعبد الملك ذريعة لرمي علماء المدينة كلهم بالكذب ووضع الحديث، في الوقت الذي لا يذكر شيئًا عن سعيد في مسألة الوضع المزعومة، وكان من اللازم في قياس المستشرق أن يكون ابن المسيب على رأس قائمة الوضاعين، لكنه لم يذكر ذلك؛ لأنه لا يملك دليلاً عليه .

–لقد جهل هؤلاء المستشرقون أو تجاهلوا صفات علماء الإسلام وأخلاقهم وخصائصهم من الترفع عن الكذب، والتحلي بالصدق والأمانة والاستقامة.

–لقد ادعى المستشرق جولدزيهر أن الحكام الأمويين وضعوا الأحاديث كما وضعها خصومهم، ولم يستطع هذا المستشرق ولا غيره أن يذكروا حديثًا واحدًا مما وضعه الحكام الأمويين .

–لكن جولدزيهر كشف عن جهله وقصور علمه في حقائق الإسلام وعلومه، حين زعم أن اختلاف الحديث وتعارض بعضه فيما يبدو أحيانًا دليل على حصول الوضع في الحديث .

وهذا جهل فظيع قد ينطلي على من ليس له باع في علم الحديث، لكن العلماء ذكروا أسباب الاختلاف والتعارض الشكلي والظاهري بين بعض الأحاديث، ومنها:

1–أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم الفعل على وجهين إشارة إلى الجواز، فيروي صحابي ما شاهده في الحالة الأولى، ويروي الثاني ما شاهده في الحالة الثانية كأحاديث صلاة الوتر أنها سبع ركعات أو تسع أو إحدى عشرة .

2–اختلاف الصحابة في حكاية حال شاهدوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: اختلافهم في حجته صلى الله عليه وسلم هل كان فيها قارنًا أو مفردًا أو متمتعًا؟ والحالات الثلاث جائزة ومشروعة مأخوذة من النصوص الشرعية .

3–اختلاف الصحابة في فهم المراد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يفهم الوجوب وذاك يفهم الاستحباب.

4–أن يسمع الصحابي حكمًا جديدًا ناسخًا لحكم سابق ولا يكون الصحابي الآخر قد سمع ذلك الحكم الجديد، فيظل يروي الحكم الأول على ما سمع .

وغير ذلك من الأسباب العلمية والدينية والواقعية التي ظن المستشرقون أنها ذريعة لافتراءاتهم .

 



([1] ) محمد الغزالي : دفاع عن العقيدة والشريعة ، دار الكتب الحديثة ، ط4، ص22.

([2] ) انظر: مصطفى السباعي : موازين البحث عند المستشرقين.

سجل الزوار | كتاب نبي الرحمة | مقالات | من نحن | إتصل بنا | المشرف العام | ساهم معنا | الرئيسية
ترتيب الموقع في