هذا هو رَسُوْلُ الله مُحَمّدٌ صلى الله عليه وسلم [2 ]
جمع وإعداد : أسامة محمد الحمصي
موقع نبي الرحمة دوت كوم
هذا هو رسول الله
سّيدي رسول الله : إنّ مَثَلِي ومَثَلك ، كَمَثَلِ حكيمٍ رأى القمر ليلة البدر .. فقال : أيّها البدر ، ماذا أقول لك ! أأقول : رَفَعَكَ الله ... لقد رفعك ؛ أأقول : كَمَّلَكَ الله … لقد كمّلك ؛ أأقول : نَوَّرك الله … لقد نوّرك ؛ أَأَقول : جمّلك الله … لقد جمّلك . وأنت يا سيّدي يا رسول الله …لقد رفعك الله ] ورفعنا لك ذكرك [ . الشرح : 4 ، ولقد كمّلك ] وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيم [ . القلم : 4 ، وأنت نورٌ مبين ] قدْ جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مُبِيْن [ . المائدة : 15 ، ولقد جمّلك ربُّك ، فقد أُعطيتَ الجمال مع الهيبة . ولقد كُنتَ مُمَثِّلا لتعاليم القرآن تمشي على هدى بين الخلائق أجمعين .
وُلِد سيّد الكائنات ، فوُلِد الخير ، وابتهجت بمولده السماء ، واحتفلت به الأرض .
وكان إيذاناً بقدوم العدل ، وسيادة الحقّ ، وانتشار النّور والهدى ، وإشعاراً برحيل الطواغيت ، وانتهاء الوثنيّة ، وانحسار الظلم والظلام .
كان هناك عالَمٌ يتطلع إلى من يُنقذه من الضلال وحمأة الظلم والجاهليّة ، فأرسل الله محمّدا r . ] يا أيّها النبيُّ إنّا أرسلناكَ شاهِدا ومُبَشِّرا ونذيرا ! وداعِيَا إلى اللهِ بإذْنِه وسِرَاجا مُنِيْرا [ . الأحزاب : 45-46.
لقد قالت حوادث الكون : كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة … ولقد قالت حقائق التاريخ : كان محمد r هو صاحب تلك الرسالة . لقد خلق الله محمدا r ليكون رسولا مُبشرا بدين ، رحمة للعالمين ، ورحمة للمؤمنين .
إنّه محمد r ، ابن عبد الله بن عبد المطلب ( شيبة الحمد ) بن هاشم . ومن ولد عدنان ومن ولد إسماعيل r ابن إبراهيم الخليل r . أُمّه : آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة .
أوسط قومه نسبا r ، وأعظمهم شرفا من قِبَل أمّه وأبيه .
اختاره الله I من أزكى القبائل ، وأفضل البطون ، وأطهر الأصلاب . روى مسلم بسنده عن رسول الله r أنه قال : " إنّ الله اصطفى كِنَانَة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم " .
وُلد r عام الفيل . وبعثه الله على رأس أربعين سنة ، فمكث في مكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة يوحَى إليه ، وفي المدينة عشرا . وتوفي وهو ابن ثلاث وستين .
يقول الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي :
( محمّد r ) مُجمّع المحامد :
من هذه الجولة اللغويّة الاشتقاقيّة السريعة ، نعرفُ أنّ ( محمّدا r ) في الاشتقاق اسم مفعول من الرباعيّ ( حَمَّد ) ، وأنّه الذي تواصل عليه حمدُ الحامد وثناء المادح ، وهو لنْ يكون محمّدا إلاّ إذا كثُرِت خصالُه المحمودة ، وصفاته المحبوبة ، وأفعاله المرضيّة . وهذا المعنى العظيم متحقق في حبيبنا محمد r ، فالحمد والثناء متواصلٌ مُستمرّ عليه من كلّ من حَمِده وأثنى عليه ، بسبب تواصل صفاته وأفعاله وخصاله وشمائله وسجاياه r …إنّ محمّدا حامِدٌ أولا ؛ يقوم بالحمد والثناء ، وهو محمود ثانيا : يحمده الحامدون الآخرون لعظمة صفاته ، وهو حَمَّادٌ ثالثا ؛ أي : كثير الحمد لا يكاد يتوقّف عنه ، وهو أحمد رابعا ؛ أي : أي أكثر حمدا من غيره . وبما أنّ الاشتقاقات الأربعة متحققة فيه فهو مُحَمَّدٌ r . فهو الإنسان الكامل ، الذي جمع كلَّ الفضائل . وأنّه مجمّع الكمالات . ( من مقال : محمد r في القرآن / د . صلاح عبد الفتاح الخالدي ـ مجلة الفرقان ـ العدد الحادي والخمسون / بتصرف ) .
' ' ' ' '
الرحمة المُهداة r
قال الله I : ] لقدْ جاءكم رسولٌ مِنْ أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم [. التوبة : 128 . عزيز عليه : أن تدخلوا النار ؛ أو أن تُصيبكم أيّ مشقة في دنياكم أو أخراكم . حريص عليكم : أن تدخلوا الجنّة ، فهو رحمة للعالمين ، وبالمؤمنين رؤوف رحيم . وما جَمَعَ اللهُ I لنبيٍّ اسمين من أسمائه الحُسْنى إلاّ لحبيبه وصفوة خلقة نبينا ورسولنا محمد r . قال I : ] وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [. الأنبياء : 107 . نَعَمْ ، رحمة للعالَمِين : إنسهم وجنهم ، الأولين ، والآخرين ، للأسماك في البحار ، والوحوش في القفار ، والطير فوق الأشجار… رحمة للعالمين r .
سألتني ابنتي وأنا أتكلم عن رحلتي إلي الحج والعمرة ، يا أبت : هل فرحت كثيرا عندما كنتَ قريبا من النبي r وسَلَّمتَ عليه !؟000
فقلت : ومتى كان بعيدا ؟! فهو دائما قريبٌ حبيب .
فلا إيمان لعبد حتى يكون الرسول r أحبّ إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين .
إن حب النبي r يملأ على كل مسلم كيانه ، وإنّه لَحيّ في قلوبنا جميعا . ففي نهاية كلّ صلاة ، نخاطبه بكاف المخاطب القريب : السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته .
إنّ الرسولَ لَحَيٌّ فـي ضمـائرنا على الزمان ، يرى منّا ويستمعُ
وكأن ـ والله ـ في التنزيل قارئه يُحِسُّ صوت رسـولِ الله يرتفع
أيها الاخوة الكرام ، لِيَتَمَثّلْ كلُّ واحد منا أنّه يقف أمام النبي r ولْيخاطبْهُ بتحية الإسلام : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ـ كما نفعل في صلاتنا ـ ولنكن على يقين أن النبي r حيّ يرد علينا السلام . ولْنُبْقِ على هذه الصلة في كلّ يوم من حياتنا ما استطعنا .
عن أبي هريرة tقال : قال رسول الله r : " ما مِنْ أحدٍ يُسلِّمُ عليَّ إلا ردّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام " . رواه أبو داود بإسناد صحيح .
سيدي رسول الله ، أشهد يا حبيب الله ، أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق الجهاد ، حتى أتاك اليقين .
فجزاك الله عنا يا رسول الله خير ما جزى به نبيا عن قومه ، ورسولا عن أمته .
أخي الحبيب … يا من رضيتَ بالله ربّا ، وبالقرآن دستورا ، وبمحمد r نبيّا ورسولا … إذا اشتدّت بك يوم القيامة الكُرُبات والظلمات ، وأمامك الصراط منصوب على شفير جهنّم ( وهو أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف – ولا بدّ لكلّ من كتب له دخول الجنّة أن يجتازه ) ، ورأيت من يأخذ بأيدي الناس ويقول : يا ربّ أمتي أمتي ، ياربّ سَلِّم سَلِّم ، ورأيت نورا منيرا ، فأبشر واعلم أنّ صاحب ذلك النور البَهيّ ، والدعاء العُلويّ ، والصوت النَدِيّ ، هو نبيّك ورسولك وحبيبك وشفيعك رسول الله r .
النبيّ ُالبَشَرُ الرسول r
قال الله I : ] قل إنّما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليّ [ . الكهف : 110.
وقال r عن نفسه : " أنا سيّدُ وَلَدِ آدم يومَ القيامة ، وأوَّلُ منْ يَنشَقُّ عنه القبرُ ، وأوّلُ شافِعٍ وأوّلُ مُشَفَّعٍ " . صحيح مسلم .
وروى الإمام أحمد بسنده ـ عن أبي أمامة ـ قال : قلت : يا رسول الله … ما كان أوّل بدء أمرك ؟ قال r : " دعوة أبي إبراهيم ، وبُشْرى عيسى بي ، ورأتْ أمّي أنّه خرج منها نورٌ أضاءت به قصور الشام " .
وذلك مُفَسِّر لقوله I على لسان إبراهيم r : ] ربّنا وابْعَثْ فيهم رسولا منهم ..[ . البقرة : 129 ، وقوله I على لسان عيسى بن مريم r : ] ومُبَشِّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد [ . الصف : 6 .
عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : سمعتُ رسولَ الله r يقول : " لي أسماء : أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو اللهُ به الكفرَ ، وأنا الحاشرُ الذي يُحْشَرُ الناسُ على قدمه ، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد " . رواه البخاري ومسلم ، واللفظ للبخاري .
مرّ رسول الله r في جميع مراحل الحياة التي يُمكن أن يمرّ بها بشر . طفلا ، وشابا ، وكهلا ، وشيخا كبيرا ، وغنياّ ، وفقيرا ، وقائدا ، وحاكما ، ومُخرَجا من بلده ، وغير مُرحّب بدعوته ، ومنتصر ، وظافر … وكان r مُتمتّعا بخصائص البشريّة كلّها ، غير أنّ الله مولاه قد عصمه من جميع مظاهر الانحراف منذ ولادته وحتى توفاه . نشأ r يتيما فقيرا . ولكن ماذا تقول فيمن تولاه مولاه بالرعاية والتأديب !؟ فلقد أدّبه ربُّه فأحسنَ تأديبه .
نبيّ ، نبيل عريق النسب ، فقير لا يطغيه بأس النبلاء والأغنياء ، يتيمٌ بين رحماء ، خبير بكلّ ما يختبره العرب من ضروب العيش في البادية والحاضرة . تربى في الصحراء وألِف المدينة ، ورعى الغنم واشتغل بالتجارة ، وشهد الحروب والأحلاف ، واقترب من السُراة ، ولم يبتعد عن الفقراء ، عاش حياة الغنى وعانى من الحرمان ، وعاش النصر ، وجرّب مُرّ الظلم من أعدائه . لقد مَرّ بجميع مراحل الحياة وأنواعها ، فكان قدوة لجميع الناس في جميع مناحي حياتهم .
ثمّ أدرك النبيُّ r غاية ما سعى إليه ، فلم يدخل له المال ولا المتاع في حساب ، ولم يكن النعيم المستطاع أفعل في إغرائه من النعيم الموعود ( يوم وعده عتبة بن ربيعة في مكة بتفويض من قريش ) … أَوَليس ذلك من دلائل النبوّة !؟ .
فقد كان r بشرا رسولا مستكملا للصفات التي لا غنى عنها في إنجاح كلّ رسالة عظيمة من رسالات التاريخ .
رسول الله r
لقد كانت عناية الله I بالرسول r عناية اجتباء ، وحبّ ، واصطفاء . ولقد كان رسول الله r محبّا لله I ، وعلى أعلى درجات العبوديّة والحبّ لمولاه . وكان رسول الله r رحيما بأمتّه ، ناصحا لها ، حريصا عليها ، رؤوفا رحيما . قال رسول الله r : " إنّما مَثَلي ومثَلُ الناس كمثل رجلٍ استوقد ناراً ، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدوابُّ التي تقع في النار يَقَعْنَ فيها ، فجعل يَنْزِعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فيَقْتَحِمْنَ فيها ، فأنا آخذٌ بحُجَزِكُم عن النار ، وأنتم تقحَّمون فيها " . رواه البخاريّ ومسلم غيرهما .
قال I : ] اللهُ أعْلَمُ حيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه ..[ . الأنعام : 124 . إنّ أبرز ما في حياة النبي r أنّه رسول الله . بما يتضمن ذلك من اصطفاء الله I له ، وتربيته ليكون هاديا للبشريّة رحمة للعالمين .
ومع هذا يمكن رصد أنواع مختلفة من جوانب العظمة في حياته r .
وفيما يأتي ، نتطرق إلى بعض جوانب عظمة النبيّr الخَلْقيّة والخُلُقيّة والعملية . ونحاول رسم صورة صادقة عن الرسول العظيم r كما وصفه الواصفون من صحابته الكرام y ، ولْنِتَمَثَّلَه حيّا بين أظهرنا r .
صفاته الخَلْقِيّة r
أما من الناحية الخَلْقِيَّة
فقد كان r مُجَسِّدا للكمال البشرّي في جميع جوانبه ، فهو أحسنُ الناسِ وجها ، وأحسنهم خَلْقَا ، وأكملهم خُلُقا . ففاضت قلوب أصحابه بإجلاله ، ودأبوا على توقيره ، وتَفَانَوا في حياطته وإكباره ، وتركوا كثرة سؤاله ، وابتعدوا عن الاختلاف بين يديه ، وأحبّوه إلى حدّ الهيام ، بما لا تعرف الدنيا مثل ذلك لرَجُلٍ غيره مع أصحابه r ، ورضي عنهم أجمعين .
وإلى سيّدنا محمد رسول الله r ينتهي الحُسْنُ والبهاء والجَمال . وإن كان نبي الله الكريم يوسُف الصِدّيق r أُوتي شَطْرَ الحُسْن ، وافْتُتن به بعض النساء ، فلقد أوتي رسولنا محمد r الحُسْنَ كاملا مع الهيبة والوقار . فهو أجملُ الناس وأبهاهم من بعيد ، وأحسنهم وأكملهم من قريب . فكان منظره يوحي لِمن يراه أنّه أَمام نبيّ r . قال أبوهريرة t : ما رأيتُ شيئاً أحسنَ من رسول الله r .
وكان علي بن أبي طالب t إذا وصف النبيَّ r قال : هو خاتَمُ النبيّين ، أجْوَدُ الناس صَدْرَا ، وأصدقُ الناس لهجةً ، وألْيَنُهُمْ عَريكة ( دليل على كمال مسامحته ، ووفور حلمه وتواضعه ) ، وأكْرَمُهُمْ عِشْرَةً ( صحبة ) ، من رآه بَدِيْهَةً ( مفاجأة ) هابَهُ ، ومن خالطه مَعْرِفَةً أحبّه .
وكان r أطيب الناس رائحة . وإذا مرَّ من طريق عُرِفَ أنّه مَرَّ من هنا ، لطيب رائحته .
قال أنسُ بن مالك t : ما مَسَسْتُ ديباجا ولا حريرا ألْينَ من كفّ رسول الله r ، ولا شَممتُ رائحة قطُّ أطيبَ من رائحة رسول الله r ، ولقد خدمت رسول الله r عشر سنين ، فما قال لي قطّ : أُفٍّ ، ولا قال لشيءٍ فعلتُه : لمَ فعلْتَه ؟ ، ولا لشيءٍ لمْ أفعَلْه : ألا فعَلْتَ كذا ؟ . متفق عليه .
( أقول : ألا يدلّ هذا الحديث العظيم كذلك على فطنة سيّدنا أنس بن مالك t وكياسته وحسن تدبيره ؟! ) .
وكان r رَبْعَة ( وسطا ) من القوم ، ليس بالطويل الذاهب ، ولا بالقصير .
عن البراء بن عازب t قال : كان رسول الله مَرْبُوعاً ، ولقد رأيتُه في حُلّة حمراء ، ما رأيتُ شيئا قطُّ أحسنَ منه . متفق عليه . ( مربوعا : ليس قصيرا ولا مُفرطا في الطول ، وإلى الطول أقرب ) .
ظاهر الوضاءة . طويل الزندين ، سابل الأطراف ( طويل الأصابع ) ضخم القدمين ، سريع المِشية ، يمشي مسرعاً وكأنّما ينحدر من جبل . قال أبو هريرة t : ولا رأيتُ أحدا أسرع في مِشْيته من رسول الله r ، كأنّما الأرض تُطوى له ، إنّا لنُجْهِدُ أنفُسَنا وإنّه لغير مُكترث .
وكان r أزهر اللون ( أبيض مشربا بحمرة ) ، عظيم الرأس ، واسع الجبين ، سهل الخَدّين ، شديد سواد الشَعر ، وكان رَجِلَ الشَعر ( بين الجعودة والسُبُوطة ) ، أدعج ( واسع العينين ، جميلهما ، شديد بياضهما وسوادهما ، كأنّ في عينيه كحل ) غزير اللحية ، جميل الجِيد ( العُنُق ) ، عريض الصدر ( دليل الصبر والسماحة والحلم ) واسع ما بين المنكبين ، معتدل الخَلْق ، لا بالبدين ولا بالنحيل . واقترن النشاط والحياء بالقوّة والمضاء في هذه البِنْية الجميلة ، فكان r يصرع الرجلَ القويّ ، ولربما ركب الفرس عاريا عن السرج .
وكان r ضَليع الفم ( الضليع : العظيم ، وذلك دليل على سلامة النُطق وفصاحة الكلام . ) . قال عمر بن الخطاب t : وكان r من أحسن الناس ثَغرا . صحيح مسلم . في صوته صَهَل ( بحة يسيرة : وذلك من عُذُوبة الصوت ) ، وكلامه فصْل . إذا تكلّم رُئي كالنور يخرج من بين ثناياه . إنْ صَمتَ فعليه الوَقار ، وإنْ تكلّم سما ، وعلاه البهاء .
عن أمّ المؤمنين الصِدِّيقة بنت الصِدِّيق عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت : كان كلام رسول الله كلاما فَصْلا ، يفهمُه كلُّ من يسمعُه . رواه أبو داود .
كان أفصح الناس وأصدقهم . أوتيَ جوامع الكَلِم ، وخُصّ ببدائع الحِكم ، وقلّة التكلّف ، ولا يتكلّم في غير حاجة . اجتمعت له قوّة عارضة البادية وجزالتها ، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها ، وعَلِم ألسنة العرب ، فكان يُخاطب كلّ قبيلة بلسانها ، ويُحاور كلّ قوم بلهجتهم .
مدحه شاعرُه حسان بن ثابت t ، فقال :
وأحسنُ منك لَمْ تَرَ قطّ عينٌ وأجمل منك لم تلد النساء
خُلِقْتَ مُبرّءا من كلّ عيبٍ كأنّك قدْ خُلِقتَ كما تشاء
أمّا من الناحية الخُلُقيّة
فلا بدّ لمن يختاره الله I لتبليغ دعوة الله للناس أن يكون على خُلُقٍ عظيم ، ليدل الخَلْقَ على كلّ خير، ويطهرهم من كل شر. ثم الرسول هو المبلغ عن ربه والقدوة للبشر في أمور دينهم ] لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخرَ وذَكَرَ اللهَ كثيرا [ . الأحزاب : 21 .
فلا بد أن يكون الرسول أرقى البشر في كلّ جانب من جوانب الحياة . ] قل إنَّ صَلاتِي و نُسُكِي و مَحْيَاي و مَمَاتي للهِ ربِّ العالمين ! لا شريك له وبذلك أُمِرْتُ وأنا أوّلُ المُسْلِمين [ . الأنعام : 162ـ 163 .
أخلاقهr .
لقد كان الرسول r عظيما في أخلاقه ، وعلى قمّة الكمال في كل ناحية من نواحيها . أدّبه ربُّه فأحسن تأديبه . اقرأ معي قول الله تعالى ] وإنك لعلى خلق عظيم [ . القلم : 4 ؛ وكفى بها شهادة عظيمة من رب عظيم لنبي عظيم . فكان r يُحبُ الخُلُقَ الحسن ، ويحثُ أمتّه عليه .
وبمناسبة الحديث عن الآية ] لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخرَ وذَكَرَ اللهَ كثيرا [ ، يقول سيّد قطب رحمه الله في موسوعته ( في ظلال القرآن ) بعدما يستعرض أحوال المنافقين في غزوة الأحزاب ( الخندق ) : ] ولكنّ الهول والكرب والشدّة والضيق ، لمْ تُحوّل الناسَ جميعا إلى هذه الصورة الرديئة … كانت هنالك صورة وضيئة في وسط الظلام ، مُطْمئنّة في وسط الزلزال ، واثقة بالله ، راضية بقضاء الله ، مستيقنة من نصر الله ، بعد كلّ ما كان من خوف وبلبلة واضطراب .
ويبدأ السياق هذه الصورة الوضيئة برسول الله r .
] لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخرَ وذَكَرَ اللهَ كثيرا [ ، وقد كان رسول الله r على الرغم من الهول المُرْعب والضيق المُجهد ، مثابة الأمان للمسلمين ، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان . وإنّ دراسة موقفه r في هذا الحادث الضخم لمّما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم ، وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، وتطلُبُ نفسُه القدوة الطيّبة ، ويذكر الله ولا ينساه .
ويحسن أنّ نُلمّ بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال .
ويتابع سيّدٌ كلامَه … ولنا أن نتصوّر هذا الجوَّ الذي يعمل فيه المسلمون ، والرسول r بينهم ، يضرب بالفأس ، ويجرف بالمسحاة ، ويحمل في المكتل ، ويُرجّع معهم الغناء … ولنا أن نتصوّر أيّة طاقة يُطلِقها هذا الجوّ في أرواحهم ، وأيّ ينبوع يتفجّر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز .
… ثمّ كانت روحه r تستشرف النصر من بعيد ، وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول ، فيحدّث بها المسلمين ، ويبثّ فيهم الثقة واليقين .
…أمّا أخبار شجاعته r في الهول ، وثباته ويقينه ، فهي بارزة في القصّة كلّها .
وحول الآية ] وإنك لعلى خلق عظيم [ ، يقول سيّد :
ثمّ تجيء الشهادة الكبرى والتكريم العظيم :
] وإنك لعلى خلق عظيم [ … ويعجز كلّ قلم ، ويعجز كلّ تصوّر ، عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من ربّ الوجود ، وهي شهادة من الله ، في ميزان الله ، لعبد الله …
ويتابع : وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كلّ ما روي عنه . ولكنّ هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كلّ شيءٍ آخر . أعظم بصدورها عن العليّ الكبير . وأعظم بتلقّي محمد r لها وهو يعلم من هو العليّ الكبير ، وبقائه بعدها ثابتا راسخا مطمئنّا . لا يتكبّر على العباد ، ولا ينتفخ ، ولا يتعاظم ، وهو الذي سمع ما سمع من العليّ الكبير !… والله أعلم حيث يجعل رسالته . وما كان إلاّ محمد r ـ بعظمة نفسه هذه ـ من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكلّ عظمتها الكونيّة الكبرى . فيكون كفئا لها ، كما يكون صورة حيّة منها .
ويتابع سيّد قوله : إنّه محمد r ـ وحده ـ هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة …إنّه محمد r ـ وحده ـ هو الذي يبلغ قمّة الكمال الإنسانيّ المجانس لنفحة الله في الكيان الإنسانيّ … إنّه محمد r ـ وحده ـ هو الذي يكافىء هذه الرسالة الكونيّة العالميّة الإنسانيّة ، حتى لتتمثّل في شخصه حيّة ، تمشي على الأرض في إهاب إنسان … إنّه محمد r ـ وحده ـ الذي عَلِمَ اللهُ منه أنّه أهل لهذا المقام . والله أعلم حيث يجعل رسالته ـ وأعلن في هذه أنّه على خُلُقٍ عظيم . وأعلن في الأخرى أنّه ـ جلّ شأنه وتقدّست ذاته وصفاته ـ يُصلّي عليه هو وملائكته ] إنّ الله وملائكته يُصَلّون على النبيّ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [
وهو ـ جلّ شأنه ـ وحده القادر على أن يهب عبدا من عباده ذلك الفضل العظيم .[ . انتهى كلام سيّد رحمه الله .
وعن أنس t عن النبيّ r قال : " يَسِّروا ولا تُعَسّروا ، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا " . متفق عليه .
وعن جابر t أنّ رسول الله r قال : " إنّ من أحبِّكم إليَّ وأقربِكم مني مجلِسا يوم القيامة أحاسِنَكُم أخلاقا … " الحديث . رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن .
وعن أبي هريرة t قال : قال رسول الله r : " أكملُ المؤمنين إيمانا أحسنُهم خُلُقا ، وخياركم خياركم لنسائهم " . رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح .
كان الحِلْم والاحتمال ، والعفو عند المقدرة ، والصبر على المكاره ، صفات أدّبه الله عليها . فما زاد مع كثرة الأذى إلاّ صبرا ، وعلى إسراف الجاهل إلا حِلْما .
وكان r جمّ الحياء ، وكان أشدّ الناس حياءً وإغضاء . فقد كان خلقه القرآن . عن أمّ المؤمنين الصِدِّيقة بنت الصِدِّيق عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت : " …كان خُلُقُ نبيِّ الله r القرآن . رواه سلم .
إنّه الخُلُق القرآنيّ الكريم في أبهى صوره ، وأكمل صفاته ، وأعلى منازله .
فدينه الإسلام خُلُقه الحياء . وكان رسول اللهr أكثر الناس حياء . عن أبي سعيد الخُدرِيّ t قال : كان رسول الله r أشدَّ حياءً من العذراء في خِدْرها ، وكان إذا كَرِهَ شيئا ، عرفناه في وجهه . صحيح مسلم . فلم يُعهد عنه أبدا فحش ولا بذاءة .
وكان r دائم البِشْر ، وإذا رضي انطَلَقَتْ أساريرُ وجهه ، وتبيّن رضاه . وكان كثير التبسّم ( وكان أكثر ضحكه تبسّما ) ، سهل الخُلُق ، ليّن الجانب . ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخّاب ( الصخب : عُلُوّ الصوت وارتفاعه من غير حاجة ) ولا فحّاش .
ولا يُؤيِسُ منه راجيه ، ومن سأله حاجة ردّه بها أو بميسورٍ من القول . يقبل الهديّة ويثيب عليها ، ولا يأكل الصدقة هو ولا أهل بيته . لا يجزي بالسيّئة السيّئة ، ولكن يعفو ويصفح .
أبعد الناس عن الغضب ، وأسرعهم رضا . يتقي الغضبَ جهده ، وما غضب لنفْسه قطّ ، وإنّما يغضب إذا انتهكت حرمات الله ، فلا يقوم لغضبه عندها شيء .
عن أمّ المؤمنين الصِدِّيقة بنت الصِدِّيق عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت : .. وما انتقمَ رسولُ الله r لِنَفْسِهِ في شيءِ قطُّ ، إلاّ أنْ تُنتَهكَ حُرْمَةُ الله ، فينتَقِمَ لله تعالى . متفق عليه .
كان r قريبا من الناس ، وهو خير الناس للناس ، يُكْرم كريم كلّ قوم ، ويُوَلّيه عليهم . وكان خير الخلق لأهله .
يلتفت فيلتفت كلّه جميعا ، ويشير فيشير بكفّه كلّها .
وكان أعدل الناس ، وأوفاهم بالعهود ، وأعفّهم ، وأوصلهم للرحم ، وأعظمهم أمانة . فقد طلبَ النبيُّ r عند هجرته من علي بن أبي طالب t أن يبقى بعده لأداء الودائع التي كانت في بيت النبيّ r إلى أصحابها . حيث لم يجدوا من هو مثله أمانة وصِدْقا ، فكانوا ـ مع عداوتهم له ـ لا يضعون حوائجهم وأموالهم التي يخافون عليها إلاّ عنده ! .
وكان rمن أقلّ الناس كلاما ، ومن أحسنهم فعالا . ولكنّه إذا تكلّم نطق قلبه ، وإذا عمل نطقت جوارحه . وكان أحبّ العمل إليه أدومه . وقد ترك نفسه من الرياء ، ومن الإكثار ، ومما لا يعنيه . ولا يذُمّ أحدا ، ولا يُعيّره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا بخير وفيما يرجى ثوابه .
مجلسه مجلس عِلْم وحِلْم ، وفِكر وذكر ، وحياء وأمانة وصبر. ولا يقوم ولا يجلس إلاّ على ذكر الله مولاه I . قال خارجة بن زيد t : كان النبي r أوقر الناس في مجلسه ، لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه ( يستفاد من ذلك أن لا يمُدّ أحدنا رجليه بين الناس ، ويتأكّد ذلك في المساجد ، وباتجاه القبلة خاصّة . وكذلك من يجلس على كرسيّ ويثني رجله على الأخرى ، أن لا يجعل بطن قدمه المرفوعة في وجه من يجالسه ) . لا يتميّز من جلسائه ، وإذا أتى الغريبُ يسأل : أيّكم محمد ؟! . ويشعر كلّ واحد من جلسائه أنّ رسول الله r يخصّه بالاهتمام .
وكان إذا مسّ أحدا أحسَّ بطمأنينة ورَوْحٍ عجيب .
كان يتفكّه ويمزح ويُداعب أصحابه ، وكان مزاحه آية من آيات النُبُوّة ، فكان يُمازح أصحابه ولكن لا يقول إلاّ حقّا .
عن أبي هريرة t قال : قالوا : يا رسولَ الله إنّكَ تُداعِبُنا . قال r : " نَعَمْ . غَيْرَ أنّي لا أقولُ إلاّ حَقَّا " . الترمذي وأحمد وابن السني .
وكان r أحرص الناس على جبر القلوب ، وتطييب الخواطر ، وتوخّي المؤاساة ، واجتناب الإساءة . يتفقدّ أصحابَه كبارا وصِغارا ويسأل عنهم ، فلا يحسب أحدهم أنّ أحدا منهم أكرم عليه منه .
وإذا استوقفه أحد لحاجة ، لا ينصرف r حتى ينصرف صاحبه .
وكان r يبادر من لقيه بالسلام والمصافحة ، ويُقْبِل عليه بوجهه جميعا ، ويكون آخر من ينزع يده من يد صاحبه . ويمرّ بالصِبْيَان والنساء فيُلوّح بيده ويقرئهم السلام . روى البخاري عن أنس t أن رسول الله r مرَّ على صِبْيَانٍ يَلْعَبُون فسَلَّمَ عليهم . ورواه مسلم من وجه آخر .
وكان r خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، وجُلّ نظره التفكر والملاحظة . ولا يثبت نظره في وجه أحد . ولا يُشافه أحدا بما يكره ـ حياء وكرم نفس ـ بل يقول : " ما بالُ أقوامٍ يَصْنَعُونَ كذا ؟! ، أو يقول : ما بالُ أقوام يقولون كذا ؟! " .
يسوق أصحابه ( يقدمّهم بين يديه ) ويمشي خلفهم . عن جابر t قال : كان رسول الله يتَخلَّفُ في المسير ، فيُزْجي الضعيفَ ، ويُرْدِفُ ، ويدعو له . رواه أبو داود بإسناد حسن . ( يزجي : يسوق الضعيف ليلحق برفاقه ) .
حقّا : إنّها أخلاق القرآن … إنّها أخلاق النُبُوّة .
إنّه r بُعِثَ لِيُتَمّم مكارم الأخلاق بذاته وبسلوكه ، وبقوله وبرسالته . ولقد حقق النبيُّ r تعاليم القرآن بذاته ، وطبّقها على مجتمعه ، على أكمل صورة يمكن أن يصل إليها مجتمع بشريّ . ( ولولا ذلك لوجد من يقول : إنّ تعاليم الإسلام العظيم ، مجردّ مبادئ نظريّة ، يستحيل تطبيقها على أرض الواقع ) .
ولقد زكاه مولاه عن الضلال والغواية ، فقال I : ] ما ضل صاحبكم وما غوى [. النجم : 2 .
وزكى لسانَه ، فقال I : ] وما ينطق عن الهوى [ . النجم : 3 .
وزكى فؤادَه ، فقال I : ] ما كذب الفؤاد ما رأى [ . النجم : 11 .
وزكى بصرَه بقوله I : ] ما زاغ البصر وما طغى [ . النجم : 17 .
وزكى ربُه عقلَه ، فقال I : ] وما صاحبكم بمجنون [ . التكوير : 22 .
وزكاه عن القطيعة والهجران ، فقال I : ] ما ودعك ربك وما قلى [ . الضحى : 3 .