هذا هو رَسُوْلُ الله مُحَمّدٌ صلى الله عليه وسلم [3 ]
جمع وإعداد : أسامة محمد الحمصي
موقع نبي الرحمة دوت كوم
صفاته الأساسيّة ، وحياته العمليّة
وأما صفاته الأساسيّة ، وحياته العمليّة ، فحدّث عن البحر ولا حرج .
فقد كان r مستكملا للصفات التي لا غنى عنها لصاحب كل رسالة في إنجاح رسالته العظيمة .
حيث استوفى شمائل الوسامة والمحبّة والمهابة والعطف على الناس ، فكان على ما يختاره واصفوه ومحبّوه ، وكان نِعم المُسمّى بالمختار .
فقد كانت له فصاحة اللسان واللغة . فهو صاحب كلام سليم في منطق سليم . وكانت له مع الفصاحة صباحة ودماثة ، تحببانه إلى كلّ من رآه ، وتجمعان إليه قلوب كلّ من عاشروه .
فكان r مُحبّا لأصحابه وأهلا لحبّهم إيّاه . فقد تمّت له أداة الحُبّ من طرفيها .
وإنّما تتمّ الصداقة بالعاطفة الحيّة ، والذوق السليم ، والخلق الرفيع المتين . وقد كان نبينا محمد r في تلكم الخصال مثلا عاليا بين صفوة الخلق أجمعين .
فعن صِدقه وأمانته ، يكفيه أنّه عُرف بين قومه ـ حتى قبل البِعْثة ـ بالصادق الأمين .
وعرف عنه ثقته بربّه I ، وسلامة دعوته ، والتزامه بتطبيق ما يدعو إليه ( أمرا ، أو نهيا ) . وقيامه بتبليغ دعوة الله تعالى كاملة غير منقوصة ، على أكمل وجه وأتمّه .
وامتاز r بعقله العظيم ، وفطنته الفذّة . وكان قُدوة في صبره ، ورحمته ، وحِلْمه ، وتواضعه ، وتيسيره ، وبُعد نظره ، وكرمه ، وشجاعته .
وهو أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، فلهو أجود من الريح المرسلة . قال عنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : ما رأيت أشجعَ ولا أجود ولا أضوأ من رسول الله r .
وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله r أجودَ الناس ، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريلُ ، وكان يلقاه جبريل في كلّ ليلة من رمضان فيُدارسُه القرآنَ ، فلرسول الله r حين يلقاه جبريل أجودُ من الريح المُرْسَلَة . متفق عليه .
وعن جابر t قال : ما سُئِلَ رسولُ اللهِ r شيئا قَطُّ فقال : لا . متفق عليه .
وكان r أنموذجا يحتذى في الأمور الدَعَويّة ( قولا وفعلا ) ، والاجتماعيّة ( زوجا ، وأبَاً ، و ضيفا ، ومُضيفا ، و…) ، وبراعته العسكريّة والسياسيّة ( تخطيطا ، وإعدادا ، وتنفيذا ، واستباقا للأحداث … ) . ومثالا للقائد الذي يستوعب أتباعه تربية ، وتنظيما ، وتسييرا ، ورعاية ، ومشورة ( وشاوِرْهم في الأمر ) ، ويوظّف إمكاناتهم وقدراتهم أحسن توظيف في خدمة الدعوة وأهدافها . ويحسن التعامل مع المشكلات الطارئة . فاكتسب ثقتهم وطاعتهم المطلقة .
ولذلك ؛ كان الصحابة رضي الله عنهم ؛ من أشدّ الناس حُبّا للنبيّ r ، ومن أحرص الناس على طاعته ، وأسرعهم إليها ، وأنشطهم فيها ، وأصبرهم عليها . فأحبُّوا ما أحبّ ، وكَرِهوا ما كَرِه . وقدّموا من أجل ذلك الغالي والنفيس ، ولهم في ذلك القِدْح المُعَلّى ، والنصيب الأوفى ، إلى يوم الدين . فوصل بهم ومعهم إلى الكمال في تبليغ دعوة الله تعالى ، وانتصر ، وأسس دولة الإسلام العظيم الخالد ، وصنع من أتباعه وأصحابه أعظم جيل ، وكانت أمته خير أمّة أخرجت للناس . قال I : ] كُنْتم خيرَ أمّةٍ أُخْرِجَت للناسِ تأمرونَ بالمعروف وتَنْهَوْن عن المُنْكر وتُؤْمِنون بالله … [ . آل عمران : 110 .
كان r مؤيّدا من الله I بالوحي . وكان لهذا التأييد أثرٌ حاسم في توفيقه بشيرا ونذيرا ، ومُشرّعا وقاضيا ، وسياسيّا وإداريّا ، وقائدا وحاكما ، ومُربيا ومُعلّما ، وبَشرا وإنسانا .
لقد كان r في قِمّة القمم تساميا على الذات ، واهتماما بأمر المسلمين ، وإخلاصا لدعوتهم ومصالحهم العليا ، وحِرْصا على هدايتهم .
وجُمِع له r أخذه بالحسنى ( لِيُقْتَدى به ) ، وتركه القبيح ( ليُتَناهى عنه ) ، واجتهاده الرأي فيما يُصلح أمتّه ، والقيام لهم فيما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة .
لذلك خرج في مدرسته القمم من جميع الكفاءات والقابليات لمختلف المناصب والواجبات .
ولقد جاء r برسالة ربّانيّة المصدر ، واقعيّة ، عالميّة ، إنسانيّة ، شاملة ، كاملة .
واستطاع النبي r بعون من الله وتوفيقه بناء الإنسان المسلم على دعائم ثلاث :
1. المبدأ السديد : عقيدة مُنشئة بنّاءة ، هي الحقّ في كلّ زمان ومكان ، تقوم عليها شريعة لا يصلح للإنسان غيرها ، عالجت أمر الدنيا والآخرة ، وفصلت القول في علاقة العبد بخالقه ، وعلاقته بنفسه ، وعلاقة الخلق بعضهم ببعض .
2. والقدوة الحسنة : فكان r يُمثّل تعاليم الإسلام العظيم ( في أوامره ونواهيه ) وكأنّها تمشي على الأرض بَشراً سويّا .
3. واختيار الرجل المناسب للعمل المناسب ، والتنويه بمزاياه ، والغضّ عن النقائص ، ومحاولة تقويمها وتلافي محاذيرها . يبني المسلم ولا يحطمه ، ويُقوّم المعوجّ ولا يكسره ، ويُشيّد للحاضر والمستقبل . وكانت له القدرة على تأليف القلوب وجمع الثقة . وكان جامعا للمحبّة والثقة جميعا .
' ' ' ' '
جهاده r .
من أراد أن يتعرّف على حياة النبيّ r الجهاديّة ، فلينظر في سِفْر الإسلام الخالد الذي صنعه وبناه ذلك النبيّ العظيم r ، ولْيتفحّص حياتَه r ، فسيجدها جهادا كلّها . فما وهنت له عزيمة ، ولا لانت له قناة ، منذ بعثه الله I ، إلى أن لحق r بالرفيق الأعلى I .
فبراعته العسكريّة : في الإعداد والاستعداد ، وأخْذٍ بكلّ مقوّمات النصر المادّية والمعنويّة ، من تنظيم للجيش ، وحسن الاستطلاع ، والكتمان ، والسريّة ، والمباغتة ، واجتناب المهالك ، وعدم التعرض للأبرياء والضعفاء ، والقدوة الحسنة : في بذل ماله ونفسه وأقربائه … كلّ ذلك وغيره ، نلمسه واضحا جليّا في غزواته وسراياه r .
نلمس ذلك في بدر الكبرى ( أوّل غزوة شارك فيها بنفسه r ) ، مرورا بغزوة بني قينقاع ، وأحد ، ثم بني النضير ، وذات الرقاع ، وبني المصطلق ، والخندق ( الأحزاب ) ، وبني قريظة ، والحديبية ، وخيبر ، وفتح مكّة ، وحنين ، وتبوك ( آخر غزوة شارك فيها بنفسه r ) . هذا فضلا عن السرايا الكثيرة جدّا التي سيّرها ، والبعوث العديدة التي بعثها ، خلال السنوات القليلة التي عاشها r في المدينة المُنوّرة . ( في كتاب السيرة النبوية لابن هشام : كان جميع ما غزا رسول الله r بنفسه سبعا وعشرين غزوة . وكانت بعوثه r وسراياه ثمانيا وثلاثين / من بين بَعْثٍ وَسَرِيَّة . ) .
ولو أحصينا عدد القتلى ( المسلمين وغيرهم ) في جميع تلك المعارك ، لوجدناها في حدّها الأدنى .
بل كان r يميل دائما إلى حقن الدماء ، وتحقيق أهدافه في معاركه ، بأقل عدد من القتلى .
قال r لأمراء الجيش الذي أرسله إلى مؤتة : " اغزُوا بسم الله ، في سبيل الله ، منْ كَفَرَ بالله ، لا تغدروا ، ولا تغُلُّوا ، ولا تقْتُلوا ولِيْدا ولا امرأة ، ولا كبيرا فانيا ، ولا مُنْعَزِلا بصومعة ، ولا تقطعوا نخلا ولا شجرة ، ولا تهدموا بناء " .
شجاعته r ورباطة جأشه
فكان r أشجع الناس . حضر المواقف الصعبة ، وفرّ عنه الكُماة والأبطالُ غير مرّة ، وهو ثابت لا يبرح ، مُقْبِل على العدوّ لا يتزحزح . قال عنه أشجع الشجعان ومجندل الفرسان علي بن أبى طالب t : كنّا إذا حمي الوطيس واحمرّت الحِدَقُ نتقي برسول الله r فهو أقربنا إلى العدو .
وعن أنس tقال : كان الرسول r من أجمل الناس ، ومن أجود الناس ، ومن أشجع الناس . رواه البخاري .
وروى ابن كثير في تفسيره خبر غزوة حنين ، ثم قال : قلت : وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامّة . إنّه في مثل هذا اليوم ، في حومة الوغى ، وقد انكشف عنه جيشه ، وهو مع هذا على بغلة ، وليست سريعة الجري ولا تصلح لِفرّ ولا لِكَرٍّ ولا لهرب . وهو r مع هذا يُرْكضها إلى وجوههم ( إلى وجوه الأعداء ) ويُنادي باسمه ( أنا النبيّ لا كَذِبْ أنا ابن عبد المُطّلب ) ليعرفه من لم يعرفه … وما هذا كلّه إلاّ ثقة بالله ، وتوكّلا عليه وعلما بأنّه سينصره ويتمّ ما أرسله به . ويظهر دينه على سائر الأديان .
تواضعه ويُسْرُه r
كان التواضع والتياسر صفتين بارزتين في طبع النبيّ r . فكان r أشدّ الناس تواضعا ، وأبعدهم عن الكبر ، ينهى الناس عن القيام له كما يقومون للملوك والأمراء . وكان يجالس المساكين والفقراء . ويجلس في أصحابه كأحدهم ، ويجلس حيث انتهى به المجلس ، ويكون صدر المجلس حيث يجلس .
وكان r سهلا هيّنا ، يلقى أبعدَ الناسِ وأقرَبهم ، وأصحابه وأعداءه ، وأهل بيته ، والوفود ، بلا تصنّع ولا تكلّف . وكان يكره الإطراء والألقاب .
وكان r متواضعا في ملبسه وسكنه . ونهى عن التكبّر ، كما نهى عن سوء الأدب .
ومعلوم زهادة رسول الله r عن كنوز الأرض حين عرضت عليه فأباها ، وقال : أجوع يوما وأشبع يوما . وأنه كان له ثلاث عشرة زوجة يَمْضِي عليهنّ الشهر والشهران لا توقد عندهن نار ولا مصباح ؛ إنما هو الأسودان : التمر والماء . وربما ربط على بطنه الحجر والحجرين من الجوع . وما شبعوا من خبز بُرٍّ ثلاث ليال تباعا .
وكان فراشه من أدْمٍ ( جلد ) حشوه ليف . وربما اعتقل الشاة فيحلبها ؛ ورقع ثوبه ، وخصف نعله ( أصلحه ) بيده الكريمة . هذا وكم آثر بآلاف مؤلفة من الإبل والشاء والغنائم والهدايا على نفسه وأهله للفقراء والمحاويج والأرامل والأيتام والأسرى والمساكين والمؤلّفة قلوبهم .
عن عياض بن حِمَارٍ t قال : قال رسول الله r : " إنّ اللهَ أوحى إلَيَّ أنْ تَواضَعُوا ، حتّى لا يفْخَرَ أحَدٌ على أحَدٍ ، ولا يَبْغِي أحَدٌ على أحَدٍ " . رواه مسلم .
وعن أبي هريرة t أنّ رسول الله r قال : " ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مالٍ ، وما زادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إلاّ عِزّا ، وما تَواضَعَ أحَدٌ للهِ إلاّ رَفَعَهُ الله " . رواه مسلم .
وعن عبد الله بن بُسْرٍ t قال : قال رسول الله r : " … إنَّ اللهَ جعلَني عبدا كريما ، ولمْ يجعلني جبّارا عنيدا " . رواه أبو داود بإسنادٍ جيّد .
وعن أبي هريرة t قال : قال رسول الله r : " انْظُرُوا إلى من هو أسْفَلَ منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقَكُم , فهو أجْدَرُ ألاّ تَزْدَرُوا نِعْمة الله عليكم " . متفق عليه . وهذا لفظ مسلم . وفي رواية البخاري : " إذا نظر أحَدُكُم إلى من فُضِّلَ عليْه في المال والخَلْقِ فلْيَنْظُر إلى من هو أسْفَلَ منه " .
وعن ابن مسعود t قال : نامَ رسول الله r على حَصِيْرٍ فقام وقد أثّر في جنبه ، قلنا : يا رسول الله لو اتَّخَذْنا لك وِطَاءً . فقال : " مالي وللدنيا ؟ ما أنا في الدنيا إلاّ كرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تحتَ شجرةٍ ثمَّ راحَ وتَرَكَها " . رواه الترمذيُّ وقال : حديث حسنٌ صَحيح . ( وطاء : أي فِرَاشا وطيئا تستريح عليه ) .
ولننظر إليه r وهو على مشارف مكّة فاتحا ، فنراه وهو يقرأ سورة الفتح ، يُرجّع في تلاوته ، مستغرقا في حالة من العُبوديّة التامّة لله ، وكان يضع رأسه تواضعا لله الذي أكرمه بالفتح والنصر المبين . وما كان لِنشوة النصر والظَفَر العظيم إلى نفسه من سبيل ، ولم يكن شيء من التعاظم أو التجبّر ليستولي على شيء من مشاعره .
ثمّ نراه r في مشهد آخر ، في مرض وفاته ، وقد اختار الرفيقَ الأعلى I على الخلود في هذه الدنيا ، وهو يوصي أمتّه ويودّعها . ولكنه يريد أن يخرج من الدنيا وليس لأحد من خلْق الله عليه شيء .
فمّما قاله r : " من كنتُ جلدتُ له ظَهْرَا فهذا ظهري فلْيَسْتَقِد منه ، ومن كنتُ شتمتُ له عِرْضا فهذا عِرْضي فليستقد منه " . يقول r هذا القول ، وهو الذي ما عُهد عنه أنّه ضرب إنسانا أو حيوانا ، إلا أن يكون جهادا في سبيل الله I .
وعن أنس t قال : إنْ كانتِ الأمةُ من إماء المدينة لتأخُذُ بيد النبيّ r فتنطلقُ به حيث شاءت ! . رواه البخاري . ( وذلك دليل على تواضع الرسول r ولِيْن جانبه ، وحرصه r على قضاء حاجات الناس ) .
صلاته r
كان أخفّ الناس صلاة على الناس . عن أبي هريرة t أن رسول اللهr قال : " إذا صلى أحدُكم للناس فليخفف ، فإنّ فيهمُ الضعيفَ والسقيم والكبير ، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليُطوِّل ما شاء " . متفق عليه . وفي رواية : " وذا الحاجة " .
ولربما دخل في الصلاة وهو ينوي الإطالة ، فيسمع بكاء صبيٍّ ، فيخفف من صلاته رحمة بأمّه . عن أبي قَتَادة ( الحارث بن ربعي ) t قال : قال رسول الله r : " إنّي لأقوم إلى الصلاة ، وأريد أن أُطوّل فيها ، فأسمع بكاء الصبيّ ، فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمّه " . رواه البخاري .
وكان أطول الناس صلاة لنفسه ، وإذا حَزَبه أمرٌ فَزِع إلى الصلاة .
عن أمّ المؤمنين الصِدِّيقة بنت الصِدِّيق عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت : إنّ النبيّ r كان يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه . فقلتُ له : لِمَ تصنعُ هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر ؟! قال : " أفلا أحبُّ أن أكونَ عبدا شكورا " . متفق عليه . كيف لا ، وهو القائل r : " وجُعِلَت قُرّة عيني في الصلاة " .
فصل في قربه r من أصحابه وتفقده لهم .
قال ابن اسحاق : حَدّثني وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : خرجتُ مع رسول الله r إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف ، فلمّا قَفَلَ رسول الله r ، قال : جعلتِ الرفاقُ تمضي ، وجعلتُ أتخلّف ، حتى أدركني رسولُ الله r ، فقال : مالَكَ يا جابر ؟! ، قال : قلتُ : يا رسول الله ، أبطأ بي جملي هذا ، قال : أنِخْهُ ، قال : فأنخته ، وأناخ رسول الله r ؛ ثمّ قال : أعطني هذه العصا من يدك ، أو اقطع لي عصا من شجرة ، قال : ففعلتُ . قال : فأخذها رسول الله r فنَخَسَه بها نَخساتٍ ؛ ثم قال : اركبْ ، فركبتُ ، فخرج ؛ والذي بعثه بالحقّ ، يواهق ناقَتَهُ مواهقة ( يعارضها في المشي لسرعته / وكانت ناقةُ رسول الله r واسمها العَضْبَاءُ لا تُسْبَقُ أو لا تكادُ تُسْبٌق ) .
قال : وتحدّثتُ مع رسول الله r فقال لي : أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قال : قلتُ يا رسول الله ؛ بل أهبَه لك ( اُنْظُرْ حُسْن أدب الصحابة مع النبيّ r ) ، قال : لا ، ولكن ؛ بِعْنيه ؛ قال : قلتُ : فسُمْنيه يا رسول الله ؛ قال : قد أخذْتُه بدرهم . قال : قلتُ : لا ؛ إذن تغبِنَني يا رسول الله ! قال : فبدرهمين ؟ قال : قلتُ : لا . قال : فلم يزل يرفع لي رسول الله r في ثمنه حتى بلغ الأوقيّة . قال : فقلتُ : أَفَقَدْ رضيتَ يا رسول الله ؟! قال : نَعَمْ ؛ قلتُ : فهو لك ؛ قال : قدْ أخذْتُه .
قال : ثمّ قال : يا جابر ؛ هل تزوّجتَ بعدُ ؟ قال : قلتُ : نعم يا رسول الله ؛ قال : أثَيِّبا أم بِكْرا ؟ قال قلتُ : لا ؛ بل ثيّبا . قال : أفلا جارية تُلاعبها وتلاعبك ! قال : قلتُ : يا رسول الله ، إنّ أبي أصيب يوم أُحُدٍ وترك بنات له سَبْعَا ، فنَكَحْتُ امرأة جامعة ؛ تجمع رؤوسهنّ وتقوم عليهنّ ؛ قال : أصبتَ إن شاء الله . أما إنّا لو قدْ جِئنا صِرَارا ( موضع على ثلاثة أميال من المدينة ) أمَرْنا بجزور فنُحِرَت وأقمنا عليها يومنا ذاك ، وسَمِعَتْ بنا فَنَفَضَتْ نمارِقَها ( جمع نمرقة : الوسادة الصغيرة ) . قال : قلت : واللهِ يا رسول الله ما لنا من نمارق ؛ قال : إنّها ستكون ؛ فإذا أنت قَدِمْتَ فاعمل عملا كيّسا .
قال : فلمّا جئنا صرارا ؛ أمَرَ رسول الله rبجزور فنُحِرَت ، وأقمنا عليها ذلك اليوم . فلمّا أمسى رسول الله r دخَلَ ودَخَلْنَا . قال : فحدّثتُ المرأةَ الحديثَ ، وما قال لي رسول الله r ؛ قالت : فدُونك ؛ فسمع وطاعة . قال : فلمّا أصبحتُ أخذتُ برأس الجمل ، فأقبلتُ به حتّى أنخته على باب رسول الله r ؛ قال : ثمّ جلستُ في المسجد قريبا منه . قال : وخَرَجَ رسول الله r ، فرأى الجملَ ، فقال : ما هذا ؟! قالوا : يا رسول الله ؛ هذا جملٌ جاء به جابر . قال : فأين جابر؟ قال : فدُعِيتُ له ؛ قال : فقال : يا بن أخي ؛ خُذْ برأس جملك ، فهو لك . ودَعَا بلالا ؛ فقال له : اذهب بجابر ؛ فأعطه أوقيّة . قال : فذهبتُ معه ؛ فأعطاني أوقيّة ، وزادني شيئا يسيرا . قال : فوالله ما زال يَنْمِي عندي ، ويُرى مكانه من بيتنا .
وعن <!DOCTYPE HTML PUBLIC “-//W3C//DTD HTML 4.0 Transitional//EN”><XMP>أنس t قال : كان رسول الله r أحسن الناس خُلُقَا .
وعنه <!DOCTYPE HTML PUBLIC “-//W3C//DTD HTML 4.0 Transitional//EN”><XMP>t قال : إنْ كانَ رسولُ الله r لَيُخالِطُنا ؛ حتّى يقول لأخٍ لي صغيرٍ : " يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُغَيْرُ ؟ " . البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه . ( النغير : طائر يشبه العصفور أحمر المنقار ) .
وقوله r : " يا أبا عمير ما فعل النغير " يُذكّره بموت نغير كان يلعب به ، كما جرت به عادة الناس من المداعبة مع الأطفال الصغار .
وعنه t قال : كان رسول الله إذا صَلّى الغداة ، جاء خَدَمُ المدينة بآنيتهم فيها الماء ، فما يُؤْتَى بإناءٍ إلاّ غَمَسَ يَدَهُ فيها ؛ فرُبَّما جَاؤوه في الغَدَاةِ الباردة ، فيغْمِسُ يدَهُ فيها . صحيح مسلم .
نماذج من رحمته r
q قال رسول الله r : " مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ " . متفق عليه . وقال r : " من لا يَرْحَمِ الناسَ لا يَرْحَمْهُ الله " . متفق عليه .
q عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أنّ رسول الله r قال : " عُذِّبتْ امرأةٌ في هِرَّةٍ حبَسَتْها حتى ماتت ، فدخلت فيها النار ، لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاش الأرض " . متفق عليه .
q وعنه t قال : " إنَّ رسول الله لَعَنَ من اتَّخَذَ شيئا فيه الروح غَرَضا " . متفق عليه . ( الغرض : الهدف والشيء الذي يُرمى إليه ) .
q عن ابن مسعود t قال : كُنّا معَ رسول الله r في سَفَر ، فانطَلَقَ لِحَاجَتِه ، فرأينا حُمَّرَةً معها فَرْخان ، فأخَذْنا فَرْخَيْها ، فجعلت الحمّرةُ تَعْرِشُ ، فجاء النبيُّ r فقال : " منْ فَجَعَ هذه بِوَلَدِها ؟ رُدُّوا وَلَدَها إليها " . ورأى قرية نَمْلٍ قدْ حَرَّقْناها . فقال : " من حرّق هذه ؟ " قلنا : نحن . قال : " إنَّهُ لا ينبغي أنْ يُعَذِّبَ بالنار إلاّ ربُّ النار " . رواه أبو داود بإسناد صحيح . ( حمّرة : طائر صغير كالعصفور تعرش : تخفق بجناحيها من الحزن ، والتعريش : نوع من الطيران ) .