قوانين النصر والهزيمة
من خلال سورتي الأنفال وآل عمران
عادل عبدالله صبره هندي **
إنه من خلال تصفُّح وتدبُّر آيات سورتي آل عمران وسورة الأنفال، واللتان كانتا= لهما النصيب الأوفى في الحديث عن أهم غزوتين في الإسلام من وجهة نظري، حيث كانت أولاهما في الترتيب التاريخي نموذجًا لأسباب النصر والأخرى نموذجًا للانكسار والهزيمة وأسبابهما.
كان لسورة آل عمران حديث مستفيض رائع عن غزوة أُحُد وما دار فيها من خلاف أحيانًا وما دار فيها من مشورة قبلها وبعدها وما أظهرته من تميُّز الدين في تربية الأفراد والمجتمع المسلم، وكذا علاقة الدين مع المنافقين وأعداء الدين، وأظهرت بعض القوانين.
و سورة الأنفال تلك السورة التي كان قطز قبل عين جالوت ينصح العلماء أن يُحَفِّظُوها الناس قبل المعركة فكانت سببًا من أسباب الانتصار؛ لأنها همَّة المجاهدين وطريق العاشقين لجنة الله رب العالمين، وموضحة لطريق النصر والعزة بوسائل وأساليب أظهرتها السورة الكريمة.
ومما تحدثت عنه السورتان الكريمتان عدة قضايا أهمها:
· مفهوم القضاء والقدر .
· مفهوم الحياة والموت .
· مفهوم النصر والهزيمة .
· مفهوم الربح والخسارة .
· مفهوم الإيمان والنفاق.
· مفهوم المنحة والمحنة .
فكان من ضمن مفاهيم السورتين الكريمتين: مفهوم النصر والهزيمة، أو ما يمكن أن نسميه بقوانين وأسباب النصر والهزيمة
ومن المعروف واقعيًا أنَّ من أراد السعادة- مثلاً- فله أن يأخذ بأسبابها، وكذا التعاسة والشقاوة لهما أسبابهما، والمريض إذا آمل في الشفاء فله أن يأخذ بأسباب الاستشفاء من العلاج والدواء.
وهنا نقول: إن للنصر أسبابه وللهزيمة- كذلك- أسبابها، ولقد كانت السورتان خير نموذج لتجسيد الأسباب مجتمعة، وذلك لتَعِي الأمة الدرس ولا تكسل ولا تنام، بل عليها أن تنهض وأن تقاوم وأن تأخذ بأسباب النصر، مبتعدة عن أسباب الهزيمة والخسران .
والأمة العاقلة والناصحة هى التي تستفيد بالتجارب ولا تُعْمِي عينها عما فات في قديم الزمان؛ فإن في قصص الغابرين عبرًا وآيات لو أخذ بها الخَلَف لنجَوْا وسلموا من العطب والهلاك والهزائم المتكررة.
وإني لأتساءل: ما الذي جعل أمتنا الآن في آخر الأمم وتقبل بما يعطيها غيرها دون تحدث أو كلام؟ ما الذي جعلها في ذيل القائمة بعد أن كانت رأس القائمة المنتصرة العزيزة؟
يا أمتي لا نريد أن نقول: كنا وكنا وكنا...، ولكن نريد أن نكون... وإليك الآن هذه القوانين التي اشتملت عليها السورتان ومنها:
1. النصر بيد الله ولن يقف أحد أمام نصره.
2. النصر لا يتنزَّل إلا على مؤمنين ولا يكون إلا بهم.
3. وسائل النصر والتأييد الإلهي.
4. وحدة الصفّ.
5. طاعة الله ورسوله.
6. حُبّ الدنيا داء.
7. العدوّ ليس مشكلة.
8. الإعداد المعنوي والمادي.
9. الثبات عند المواجهة.
10 - ذكر الله ثبات.
فدعني أُطَوِّف بك في رحاب هذه القوانين لنرى كيف يمكننا أن ننصر ديننا من خلال العودة لفقه القرآن الكريم وتدبر آياته المنزلة وقصصه البسيطة الميسرة:
1. النصر بيد الله ولن يقف أحد أمام نصره. لنا أن نفهم أن مَن نصره الله فلن يغلبه أحد أبدًا، ولو اجتمعت عليه أقطار الأرض كلها بسطوتها وجبروتها فربنا عليٌّ وقادر ومالك ولا مالك غيره، ومن خذله الله فلن ينصره أحد أبدًا، ولو كان معه جيوش الأرض كلها ، وهذا ما نطقت به آيات واضحة لا غموض فيها ولا مجاملة ولا محاباة ، فقد قال الله في سورة آل عمران {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}([1]) وتُقَرِّرُ سورة الأنفال أن الله يغيث وأن الله هو الذي ينصر ويؤيد {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}([2]) ثُمَّ قال: {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}، فالمدد لا يكون إلا منه سبحانه وتعالى، حتى إنه أكّد هذه الحقيقة في حديثه عن نصر بدر في سورة آل عمران فقال: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}([3]) فالمدد إذًا لا يكون إلا منه فلا تطلبوه من غيره، ومن استعان بغيره أذلَّه وخذله، ولو فرضنا أن الأمة استعانت بعدوِّها أو بمن هو كاره لها أو من كفر بدينها فلا يكون إلا الخيبة والخسارة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}([4]) وكما يقول علماء القلوب: من اعتمد على غيره ذلّ، ومن اعتمد على عقله ضلّ، ومن اعتمد على ماله قلّ، أما مَن اعتمد على الله فلا ذلّ ولا ضلّ ولا قلّ ولا اختلّ=، وفي آل عمران: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ}([5])، ويقول أيضًا عز وجل: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}([6]) وهكذا تأكَّد لديك أخي القارئ أنَّ من أول قوانين النصر أن النصر بيد الله سبحانه ولن يقف أحد أمامه مهما بلغت قوته وعدته.
2. النصر لا يتنزَّل إلا على مؤمنين ولا يكون إلا بهم. إننا نلاحظ أن الخطاب السائر في ثنايا آل عمران والأنفال خطاب يبرز للفئة المؤمنة المجاهدة الصابرة؛ لأنه لا يتنزَّل النصر على كُسالى ولا نائمين ولا قاعدين بل لا يكون إلا على المؤمنين؛ ففي الأنفال وفي ضمن الحديث عن بدر الكبرى {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}([7]) ، ولا بدَّ مع الإيمان من صبر، فجاءت: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}([8])، وفي داخل حديث القرآن في سورة آل عمران عن النصر قال الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}([9]) وأما بالنسبة لتحقيق النصر بيد المؤمنين فقد أشار ربنا لنبيه قائلاً وموضحًا ذلك: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}([10]).
3. وسائل النصر والتأييد الإلهي . لقد كان من قوانين النصر الثابتة والتي لن تتغير أبدًا مهما اختلفت الظروف ومرت أزمنة: أن الله له تأييد للأمة بأساليب كثيرة، ومن خلال تصفحنا لسورتي آل عمران والأنفال: نجد أن وسائل التأييد الإلهي للأمة في بدر وأحد كالآتي:
· النوم أو النعاس: بينما المسلمون في الغزوات وهم في كَرْب إذ بالنوم ينزل عليهم من الله منةً ورحمةً فكان جندًا من جنود الله للأمة وقد ذكَّرتنا سورة الأنفال بهذا وقررته آل عمران أيضًا، قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ}([11])، {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ}([12]).
· نزول المطر في بدر: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}([13]) فكان المطر جندًا ثانيًا من جنود الله القدير ، فكان المطر :
1. طهارة للأبدان.
2. إذهابًا لرجس الشيطان عنهم.
3. رَبْطًا على القلوب.
4. تثبيتًا للأقدام في الأرض وكان في جانب المشركين وَحْلاً وطِينًا.
· نزول الملائكة : وهذا جند ثالث وما أعظمه من جند !! {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا}([14]) فقد نزلت الملائكة، تَخَيَّل "جبريل وميكائيل وإسرافيل"، وكانت بدر مسرحًا للتأييد الرباني للأمة المؤمنة الصابرة.
· الرعب: نعم كان الرعب جندًا رابعًا في الغزوات، فإن الله تعالى يُنْزِل الرعب في قلوب الأعداء لتهتزّ نفوسهم وبهذا انهزم بنو النضير كما في أول سورة الحشر، والرعب هو الذي جعل دبابة كبيرة تتراجع أمام حجارة طفل صغير، والرعب هو الذي جعل اليهود – عليهم لعنة الله– يحصدون روح رجل قَعِيد ما كان يستطيع أن يهشّ ذبابة عن أنفه في وقت الفجر حيث لا أحد إلا الله ممَّا يدل على الرعب المتغلغل في قلوبهم، وقد قال الله تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}([15])، ويقول: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}([16]) .
· الثبات والاطمئنان: حيث جعل المولى القديرُ الطمأنينةَ جندًا أخيرًا في الأنفال من جنود الله، فيقذفها في قلوب المؤمنين فلا يخافون ولا يصيبهم رعب ولا فزع فثبتهم بذلك وانتصروا {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا}([17]).
إن من الأمور المطلوبة في تحقيق النصر– وحدة صفّ المسلمين– فلا يدخله الغلّ ولا الحقد ولا الحسد، ولا يكون في القلوب إلا الحب والإخاء، وبهذا نفسر ما يحدث في حقل الدعوة أحيانًا– على سبيل المثال– من تأخُّر وتأخير في النتائج، ونسأل الله تعالى أن يؤلف بين القلوب وأن يجمع بينها على الحبّ والتوادّ والتصافِي.
وبدون وحدة الصفّ لا يكون إلا الهزيمة والخسران وهذا ما رأيناه بالفعل لما اختلف الرُّماة فوق جبل الرماة "عينين" عندما أمر القائد– عبد الله بن جُبَيْر– تسعة وأربعين مسلمًا معه بتنفيذ أمر الرسول فاختلفوا وتنازعوا إلى أي الأمرين يَمْتَثِلون فحدث أن تنازعوا وعصوا فكان الانكسار من ناحيتهم، ولقد ذمّ الله منهم تلك الفرقة، فقال:{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}([18])، وتجنبًا لذلك كان الأمر في الأنفال بالوحدة وعدم التنازع فقال الله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}([19]) بمعنى أنكم إذا تنازعتم واختلفت الصفوف ذهبت قوتكم وصِرْتُم قلَّة في عين عدوكم، ولقد نصح الله المؤمنين على سبيل الأمر {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}([20]) فالفرقة إذًا حفرة من حفر النيران، والألفة أعظم مِنَن الله على الأمة فتجد في سورة الأنفال توضيح لهذه القيمة فقال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}([21]).
وهذا التأليف في يد الله وحده لا غيره ولو كان هذا الغير هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم رغم قدسيته وعظمته، ولقد جاء التحذير من الفرقة فإنَّها فتنة مدمرة هالكة ومهلكة، وها هي سورة آل عمران تُذكِّرُنا بقصة طائفتين من المسلمين تنازعتا فكاد الفشل أن يكون نتيجة نزاعهما ولكن الله سَلَّم: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}([22]) .
هذا قانون آخر من قوانين النصر قد بدَا واضحًا من خلال السورتين الكريمتين.
لقد أمرنا في كل حال من أحوال حياتنا بطاعة الله ورسوله – في الشدة واليُسْر ، في الفرجِ والكربِ ، في الغِنَى أو الفَقْر ... ومن لم يطع الله ورسوله فقد خاب وخسر، بل هو الضلال كلُّه في الدنيا والآخرة، وكذا من فرَّق بين طاعة الله وطاعة رسوله فهما متلازمتان لا تفريقَ بينهما، ولقد رأينا ثمرات الطاعة على مرّ العصور ماذا أنْجَزَت للأمَّة ؟ فالطاعة إيمان وتَرْكُها نفاق وقد يكون كفرًا، فلما عاد المنافقون في أُحُد بعدد 300 مقاتل من المنافقين وعلى رأسهم زعيمهم عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلُول وخالفوا طاعة النبي الحبيب فلقد حكم الله في آل عمران لمخالفة الطاعة، فقد قال الله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ}([23])، وكلنا نعلم أنه ما كانت الانكسارة التي حدثت في أحد إلا لمخالفة الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان نتيجة المخالفة: هزيمة + قتل لبعض الصحابة الكرام + إيذاء النبي + وكاد النبي أن يُقْتَل، وهنا يشير القرآن من خلال سورة الأنفال أن الطاعة لرسول الله وسيلة للنصرة وإن لم يكن من طاعة فإنَّه الفشل والهزيمة {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}([24])، ولقد كان من اللافت للنظر أن نرى وسط آيات تتحدَّث عن غزوة أُحُد في آل عمران ثلاث آيات تصحِّح قيمًا تربوية وإيمانية:
1. الأولى تتحدَّث عن التخلُّص من رواسب رِبا الأموال ([25])
2. والثانية تَنصَح بالتقوى واتِّقاء شرّ النار ([26])
3. وأخرى ثالثة وهى الشاهد تأمر بطاعة الله ورسوله وأنه سبيل للرحمة والنصرة المؤكدة ([27]).
6. حب الدنيا داء.
إن مصيبة المصائب والداء العضال القاتل لكرامة الأمة ورفعتها هو داء حبّ الدنيا، ولقد مات رسول الله يوم مات وهو خائف على الأمة أن تتنازع الدنيا وأن تتنافس فيها، والله تعالى لا يحب الدنيا وإنَّما يحب منها الطاعة فحسب، والسَّعي للآخرة عند الله أولَى وأكرم. ولقد كان من أسباب الانكسارة التي حدثت للمسلمين في أُحُد أن الرماة ضعفت نفوسهم كما ذكر الله في سورة آل عمران ونظروا إلى الدنيا والغنائم فنزل قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ....}([28]) فنعى عليهم حب الدنيا الذي يصيب الأمَّة في مقتل، ولقد عاتب الله نبيه محمدًا في أسارى بدر لما ارتضى الفداء ولم يأخذ برأي عمر بن الخطاب فقال الله لنبيِّه ليوضِّح أن الآخرة هي الأفضل بالطلب والسعي: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}([29]) .
7. العدو ليس مشكلة .
إن تعليق مسألة النصر والهزيمة على عدد العدوّ أو عُدَّته كارثة نفسية رهيبة؛ حيث يجب أن يؤمن المؤمن أن عدد العدو لا يمكن أن يكون سببًا في الهزيمة إلا إذا تساوى المسلمون مع عدوِّهم في العصيان، ولكن الله يقرر رغم ذلك أنه: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}([30])، ولقد جاء التعبير القرآنيُّ في سورة آل عمران أن قلَّة عدد المؤمنين لا يمكن أن تكون أبدًا سببًا في هزيمتهم، فبرغم قلَّة عدد المسلمين البالغ 315 تقريبًا في بدر، مقابل قرابة 1000 مقاتل مشرك، إلا أن الله نصرهم فقال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}([31]) وأذلة بمعنى: قلة، فكان النصر لهم رغم القلة العددية للمسلمين والكثرة للمشركين، فالعدد إذًا ليس مشكلة لأنَّ الله بذاته قوة لا تقهر مهما كانت القوة التي تقابله ولكنها
· تصفية الصفّ
· وتخلية القلوب من حظوظ الدنيا
· وتحلية القلوب بالثقة واليقين في نصره
· وكذا التمحيص الذي يريده الله من وراء المقارعات مع المشركين.
{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ}([32])، ولزرع الطمأنينة في النفوس ممن يسألون عما يبذله الأعداء لمحاربة المسلمين بأموالهم وعددهم وعدتهم الجبارة– كما يصفّها الضعاف-، فإن الله يشير في أحداث غزوة أحد وبين ثنايا سورة الأنفال: رغم أنها سورة غزوة بدر الكبرى، لكنَّ الله يُذَكِّر بآية نزلت عند أحداث أُحُد سنة 3 هـ ، وأشار إلى ما يُخِيف الكثيرين اليوم من عُدَّة وعَدَد الأعداء وقوتهم ومادياتهم وسطوتهم فقال الله عز وجل:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} - ثم قال-: {فَسَيُنْفِقُونَهَا} - ثم قال-: {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً}- وذلك في الدنيا والآخرة- {ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}([33])، فذلك أمرٌ قد حُسِم، ومن هنا يظهر أن العدد والعدو ليس مشكلة أمام نصر الله تعالى، وها قد كثَّر الله عدد المسلمين رغم قلّة عددهم في أعين المشركين في بدر وغيرها، وتلك صنعة الله وحده.
ولأن الأمة الإسلامية ليست أمة دَرْوشة ولا أمة مظهر ولا منظر، ولا أمة تعتمد على الله في النتائج ولا تأخذ بالأسباب أبدًا، فما كانت كذلك يومًا، بل هي أمة العمل والإيجابية والتميز والنهوض.
ولقد جاء الأمر من الربّ العليّ أن إذا أردتم النصرة فعليكم بالإعداد بجميع أنواعه، وجسدت سورة الأنفال هذا الأمر واضحًا: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}([34])، وهذا الإعداد عام كما جاءت كلمة قوة منكرة غير معرفة لتشمل كل أنواع القوى والإعدادات كلها من (إعداد نفسي ومادي وجسدي وعسكري واقتصادي وفكري ...) وكذا الإنفاق في سبيل الله إعداد وعلى هذا فليأخذ المسلمون بالتجهز والإعداد إن أرادوا عزةً ونصرةً وتمكينًا.
لقد جاء الوصف البديع لهذه الفئة المقاتلة والمجاهدة في الله مع النبي {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا}([35]) ثم ذيَّل الله الآية بقوله سبحانه: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}([36]) فالثبات مطلوب في كل الأمور وخاصة عند مقابلة العدو، ولا يتزحزح المسلم ولا يتراجع، بل يقدم وبكل أمان في نفسه وأنه مؤيد من قِبَل الله ربه سبحانه، فالثبات إذا قانون من قوانين النصر وإلا فإنها الهزيمة الحتمية وقد تصل لدرجة الخسارة الدنيوية والأخروية، فإنَّ من تردَّد عند اللقاء فقد باءَ بغضبٍ من الله- والعياذ بالله– فجاء الأمر بالثبات في سورة الأنفال بقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ}([37]) يعني لا تتراجعوا ولا تتركوا أمانة الدفاع عن الدين، وإلا فالغضب من الله ينتظر من تزحزح وتراجع {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، وفي أخرى يقول الله تعالى: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا}([38])، ولقد عدّ الله من تراجع ولم يثبت أنما استزلهم الشيطان([39])، ثم جاءهم العفو بعد التحذير والتوضيح فليحذر الذين آمنوا أن يخالفوا أمر الإله وإلا فإنه الهلاك والهزيمة.
10. ذكر الله ثبات.
بينما تتلاقى السيوف وتطير رقاب وتتناطح الفرسان، يأتي داخل هذه المعارك وسيلة للثبات ولطالما جُرِّبَت وأينعت ثمارًا يانعة، إنه ذكر الله تعالى.
· إنه اطمئنان...... {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}([40])
· إنه بعث للأمل في القلب.........
· إنه تذكرة للنفس بوجود الله القادر القوي........
ولذا فقد جاء من قوانين النصر في سورة الأنفال أن ذكر وسيلة ثبات، يقول الله تعالى وهو يتحدث عن الثبات في المعارك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}([41])، فقد جاءت ناصحةً وموعظةً أنَّ من أسباب الفلاح والنصرة ذكر الله عند اللقاء فأوصى به وكأنه ثبات في حدّ ذاته (ثبات جسدي ومعنوي) وهذا كان في بدر. وفي أُحد عندما ذكرتنا سورة آل عمران بهؤلاء الذين يجاهدون مع الأنبياء فقال عنهم أنهم كانوا يذكرون ويدعون الله بالمغفرة وتثبيت الأقدام والنصرة فرزقهم الله ثواب الدنيا من النصرة وثواب الآخرة من الشهادة والجنان العليا عند الله، فالذكر إذًا ثبات: فلتحرص عليه الأمة ليكون معينًا لها على الأمن والأمان والطمأنينة والسلامة إن شاء الله.
وهكذا رأينا بابًا من أبواب القرآن في تصويب الأخطاء وفي بيان طريق النصر وأسبابه، وكذا كيف تأتي الهزيمة من داخلنا ومن عندنا {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} ([42])، نسأل الله تعالى أن ينفع بكلماتنا وأن ينصر أمتنا وأن يقرّ أعيننا بنصرة الدين وأن يستخدمنا لدينه ولا يستبدلنا، فاللهم انصر دينك في أقرب وقت بقوتك يا قوي يا متين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
___________
معيد بجامعة الأزهر ، وباحث شرعي
[1])) سورة آل عمران : 16
([2]) سورة الأنفال : 9
([3]) سورة آل عمران : 123
([4]) سورة آل عمران : 149
([5]) سورة آل عمران : 124
([6]) سورة الأنفال : 10 ، وسورة آل عمران : 126
([7]) سورة الأنفال : 19
([8]) سورة الأنفال : 46
([9]) سورة آل عمران : 160
([10]) سورة الأنفال : 62
([11]) سورة الأنفال : 11
[12])) سورة آل عمران : 154
([13]) سورة الأنفال : 11
([14]) سورة الأنفال : 14
[15])) سورة الأنفال : 12
([16]) سورة آل عمران : 151
[17])) سورة الأنفال : 12
[18])) سورة آل عمران : 152
([19]) سورة الأنفال : 46
([20]) سورة آل عمران : 103
([21]) سورة الأنفال : 63
([22]) سورة آل عمران : 122
([23]) سورة آل عمران : 167
([24]) سورة الأنفال : 46
([25]) سورة آل عمران : 130
([26]) سورة آل عمران : 131
([27]) سورة آل عمران : 132
([28]) سورة آل عمران : 152
([29]) سورة الأنفال : 167
([30]) سورة البقرة : 149
([31]) سورة آل عمران : 123
([32]) سورة الأنفال : 26
([33]) سورة الأنفال : 36
([34]) سورة الأنفال : 60
[35])) سورة آل عمران : 146
([36]) سورة آل عمران : 146
([37]) سورة الأنفال : 15
([38]) سورة الأنفال : 45
([39]) معنى آية سورة آل عمران : 155
([40]) سورة الرعد : 28
([41]) سورة الأنفال : 45
([42]) سورة آل عمران : 165